أطفالنا والفضاء الرقمي
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

حضور الأطفال على منصات التواصل الاجتماعي ليس تفصيلاً عابراً في حياتنا اليومية، بل أصبح واقعاً يفرض أسئلته بإلحاح: كيف نحمي أبناءنا من التنمر والابتزاز والمحتوى غير الملائم؟، وكيف نمنحهم في الوقت ذاته فرصة الاستفادة من أدوات العصر الرقمية من دون إفراط أو انكشاف؟.
من هذا المنطلق، جاء اهتمام دولة الإمارات المبكر بتنظيم استخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي، باعتباره امتداداً لنهج راسخ يضع الإنسان أولاً، ويجعل من حماية الطفولة أولوية وطنية. وتصدّر هذا الملف جدول أعمال الاجتماع الثاني لعام 2026 لمجلس التعليم والتنمية البشرية والمجتمع، برئاسة سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الخارجية، رئيس المجلس، وبحضور سمو الشيخة مريم بنت محمد بن زايد آل نهيان، نائب رئيس المجلس، الذي ناقش سبل تعزيز السلامة الرقمية، وتنظيم الوصول المرتبط بالعمر، ضمن رؤية متكاملة تواكب التحولات التقنية المتسارعة.
المقاربة الإماراتية في هذا الشأن تعتمد فلسفة التوازن: تنظيم مدروس قائم على تقييم المخاطر، يبدأ بالمنصات الأعلى تأثيراً وانتشاراً بين الأطفال، مع بناء أطر واضحة تضمن بيئة رقمية آمنة ومتوازنة. فالقضية لا تتعلق بالمحتوى وحده، بل بتأثير الاستخدام المفرط على العلاقات الأسرية، وجودة التواصل داخل المنزل، وعلى النمو المعرفي والقدرة على التركيز وتنظيم الوقت.
الأسرة هنا ليست متفرجاً، بل شريك أساسي. تمكين أولياء الأمور بالأدوات والمعرفة، وتعزيز وعيهم بدور القدوة في ترسيخ عادات رقمية صحية، يشكلان حجر الزاوية في أي سياسة ناجحة. فالطفل يتعلم من سلوك والديه قبل أي توجيه مباشر، والاستخدام المتوازن يبدأ من داخل البيت.
كما أن الانتقال من مرحلة التوعية العامة إلى منظومة وطنية متكاملة للسلامة الرقمية، تقودها الجهات المختصة بالتنسيق مع الشركاء الاجتماعيين والتعليميين والتقنيين، يعكس إدراكاً بأن حماية الطفل في العصر الرقمي مسؤولية جماعية، تتطلب تكامل الأدوار لا تشتتها.
الرهان الحقيقي يكمن في الاستباق لا في ردّ الفعل؛ أي في بناء ثقافة رقمية راسخة لدى الأطفال منذ السنوات الأولى، تجعلهم شركاء في حماية أنفسهم لا مجرد متلقين للتوجيه.
فتعليم الطفل معنى الخصوصية، واحترام الآخر، والتفكير النقدي قبل النشر أو التفاعل، هو خط الدفاع الأول في عالم افتراضي مفتوح. وبهذا الوعي المتكامل، تتحول المنصات من مصدر قلق إلى مساحة للتعلم والإبداع، ويغدو الاستثمار في السلامة الرقمية استثماراً في مستقبل وطن يصنعه جيل واعٍ ومتزن. وهنا تواصل الإمارات رسم معادلة دقيقة: تمكين بلا تهور، وتنظيم بلا انغلاق، واستثمار مستدام في الإنسان.



إقرأ المزيد