ركيزةُ الاستمرار والازدهار في فكر محمد بن زايد
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 في كلماتٍ نيِّرة هاديةٍ، وضع صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، أمام المسؤولين والمواطنين، وكل من يحب هذا الوطن ويعيش على أرضه المباركة، منهجاً واضحاً، يُلخص فكراً مشرقاً، انبثق من محضنٍ كريمٍ، وذكاء متميز، وتجربة عميقة واسعةٍ ومسؤوليةٍ حقيقية وجديدة، حين قال حفظه الله: «الأسرة ركيزة أساسية لقوة الوطن وازدهاره، ولذلك فإنَّ نموها واستقرارها وفاعليتها مسؤوليةٌ مشتركةٌ وأولويةٌ ملحةٌ للحفاظ على استدامة المجتمع».
 إنَّها كلماتٌ مضيئةٌ في طريق كل العقلاء، وتوجيه لكل من يعنيهم حاضر الأجيال ومستقبلها ورفعة هذا الوطن وسؤدده، ويا لها من أمانةٍ عظيمةٍ تطوِّق الأعناق.
إنَّ المجتمع هو شبكةٌ من العلاقات التي تربط أفراده وأسره وقبائله ومدنه، وهذه العلاقات هي التي تعطي للمجتمع هُويته وشخصيته، وهي التي تهيئ للأجيال المكان الصحيح والموضع المثالي ليفرغوا فيه مواهبهم وإبداعاتهم، وإسهاماتهم وقدراتهم، التي تكون أولاً محلية، ثم تنطلق إلى العالمية.
وإنَّ عالمنا اليوم يتسابق في صناعة الأفكار، ولا تكون الأفكار البنَّاءة المؤثرة التي تسمو لمستوى الإنسانية إلا في مجتمعٍ متكاملٍ متفاعلٍ مستقرٍ يعرف الهدف الذي يسعى إليه، وتكون كل نواحيه متجهة في السير نحوه، وبهذا يصنع الوطن الأجيال القادمة بوعي منها أو بغير وعي، لأنه وضعها في الطريق الصحيح، وهذا الذي جاء في كلمات سيدي صاحب السُّمو الشيخ محمد بن زايد، وأكد فيها أننا لا ننظر إلى اليوم الذي نحن فيه، أو العام الذي نحن فيه، بل إنه، حفظه الله، يؤكد على استمرارية الأجيال البانية لمجد هذا الموطن وعزته، فالثقافة الاجتماعية المشتركة بقواعدها الأخلاقية وبُعدها الاقتصادي، وآداب التعايش في كل ظروف الحياة وتقلباتها مع الإرادة المشتركة هي التي تجعل لب هذا المجتمع وروحه الأسرة.
وإنَّ رابطة الأسرة هي أهم الروابط الاجتماعية، وهي التي تمتد يميناً وشمالاً في أرجاء المجتمع والوطن، فتجعل حباله متينة وأواصره راسخة، ومهما تقدم المجتمع البشري وتغيرت أنماط الحياة فيه، وتبدلت أشكال التكنولوجيا، فإنَّ الأسرة هي الأول الذي يضع الفرد، ويُحدد نظرته للمجتمع حوله أولاً، وللوطن ثانياً، وللحياة كلها ثالثاً، إنها ركيزة الاستقرار والاستمرار، كما يقول سيدي صاحب السُّمو الشيخ محمد بن زايد، حفظه الله.
إنه، حفظه الله، ألقى لأبناء هذا الوطن جميعاً ما يمكن أن يسهموا جميعاً فيه، ويفكروا في حاضره ومستقبله، ألا وهو الأسرة، لأن الأسرة اليوم تعاني على المستوى العالمي في كل البلاد والثقافات والأديان والألوان، محنةً صعبةً تتجلى في كثرة الطلاق والتفكك وضياع الأولاد وظهور جيل متمرد من أثر هذا التفكك، وتتجلى في كثرة الخصومات العائلية التي تقطع روابط المجتمع وبالتالي تفكك الدول والأوطان، وقد أصبحت بعض من الدول ترى أن نسبة الوفيات فيها أكثر من نسبة المواليد، وبدأت تحسب في أي السنوات القادمة ستنتهي وتندثر وتصبح من ذكريات التاريخ كما اندثرت من قبل أممٌ وحضارات.
ولما كان مجتمع دولة الإمارات مجتمعاً شاباً ناهضاً قد وضع أمامه سيدي صاحب السُّمو الشيخ محمد بن زايد الأهداف العالية والمقاصد النبيلة في إسهامات عالمية، وصدارة لهذا الوطن بجدارة أبنائه وبناته الذين يسهر على سيرتهم صاحب السُّمو الشيخ محمد بن زايد، حفظه الله، شخصيّاً، فإنه أراد اليوم أن يكون هذا الوطن وأجياله الحاضرة والقادمة بمنجاة من هذه المخاطر التي دبت إلى أوصال مجتمعاتٍ أخرى ودولٍ عديدة، ليكون الوقاية والعلاج قبل الداء، وقبل أن يستفحل وينتشر.
إنه، حفظه الله ورعاه، قد ربط المسؤولية بالجميع بدءاً من الآباء والأمهات ومروراً بالتعليم ونظمه ومؤسساته، ووصولاً إلى المجتمع ومنظماته المدنية والشبابية والثقافية، وانتهاءً بالتشريعات القانونية الرادعة لكل من أراد أن يخترق نظام المجتمع وتقاليده غير ناسين الإطار الأخلاقي الذي يلفُّ المجتمع كله من تعاليمه الدينية، ودور كل واحدٍ من هذه الجهات جليلٌ وخطيرٌ، وكلها تتكامل فيما بينها وتتآزر.
إن الشاب والشابة عندما يبدآن في تكوين الأسرة بالزواج يكونان في قمَّة الطاقة والحيوية والاندفاع، وإن هذه الجهات التي قدمتْ هي التي توجه هذه الطاقة من الشاب والشابة ليكونا معاً في تركيز وإرادة لبناء أسرةٍ راسخةٍ ذات أهدافٍ واضحة تستند إلى الروابط الاجتماعية والمفاهيم والعادات التي توارثوها من الآباء والأجداد، وما يسري في روح المجتمع من آمالٍ وتطلعاتٍ إلى مستقبل الأسرة والمجتمع والوطن.
إنَّ قوة الأسرة وتلاحمها وتلاحم المجتمع الذي تمتد فيه الأسر فتكوِّن منه وحدة لا يمكن أن تعرف بدايتها ونهايتها لكثرة تلاحمها، ولا تعالج مشاكلها واضطراباتها أو انحلالها بالتشريعات وحدها، بل لا بد من منظومةٍ فكريةٍ تنشأ فيها الأجيال قبل أن تولد وتطل على الدنيا...
وإنَّ أخطر ما نواجهه اليوم في الأسر هو تضخُّم الأنانية عند الرجل أو عند المرأة أو عند كليها، فالرجل يرى نفسه الأهم والأعلى والأقوى، ولا يفكر بالجانب الآخر الذي لا تكتمل حياته إلا به المرأة، فلا يرى لها احتراماً ولا تقديراً.. وقد يكون ذلك من المرأة التي ترى نفسها الأعلى والأغنى والأهم، وعندئذٍ لا يمكن التلاقي ولا يمكن التعايش، وهذا خلاف الفطرة التي جُبِل عليها الرجل والمرأة، وخلاف العقل الذي يأمر بحسن التواصل، وخلاف الدين الذي وضع كل واحدٍ منهما في مكانه الصحيح، وخلاف متطلبات الواقع التي تظهر مجتمع التنافر والتناحر وضعف القيم والأخلاق.
وضعف القيم والأخلاق في أيّ مجتمعٍ يؤدي إلى تمزقٍ نفسي واضطرابٍ فكري، وانشقاقاتٍ اجتماعيةٍ تؤدي إلى الهروب من الحياة والانسحاب إلى أماكن العزلة.
إنَّ الخالق جلَّ وعلا الذي يعلم من خلق قال للرجال (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)، «سورة النساء: الآية 19»، وهو الذي خاطب الرجال والنساء بقوله تعالى: (... وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ...)، «سورة البقرة: الآية 228».
فإذا قام الرجل بما يجب عليه تجاهها، وقامت المرأة بما يجب عليها تجاهه، وعاشرها وأحسن إليها، ولم يُسيء أو يُقبِّح أو يعتدي بقولٍ ولا بفعلٍ، ولم يقصر بما عليه من حقوقه، فقد يأتي يومٌ يرى فيه أنَّها قامت تجاهه بما لم يقم به أحدٌ وأحسنت إليه ما لم يحسن إليه به أحدٌ، وخاصة من ذرية طيبة تسعده في دنياه وأخراه قامت على تربيتها أحسن التربية، وجعلتها بارَّة بوالديها، وهذا أعظم سعادات الدنيا عند العقلاء.
وقد جاء رجلٌ إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين إنِّي لا أحب فلانة وأريد فِراقَها، فقال له عمر: ويحك أكُلُّ البيوت تقوم على الحب!! ولكن الناس يتعايشون بالدين والأخلاق، فانصرف راضياً.
إنَّ التشريعات الصادقة التي تأتي لصالح الرجل أو تأتي لصالح المرأة لا تحل المشكل، وها هي أحداث الواقع حولنا في جهات العالم، وإنَّ الذي يحل هذه المشكل الخطير الذي لا يمكن حصر آثاره وأخطاره في المدى القريب والبعيد، بتربيةٍ صحيحةٍ يعرف الرجل مكانته في أسرته، وتعرف المرأة مكانته في أسرتها، ويقوم كلّ واحدٍ بمسؤوليته التي تراعي ظروف الزمان والمكان، والتحولات البشرية المتسارعة.
ولا يخفى أنَّ على الرجل حقوقاً يتوجب عليه أن يقوم بها تجاه زوجته، وأنَّ على المرأة والزوجة حقوقاً يجب أن لا تقصر فيها تجاه زوجها، وقد تكررت في آيات الكتاب العزيز كلمة (المعروف) عندما يكون الحديث عن الأسرة والعلاقة بين الزوجين، وهذا المعروف هو الذي يقره العقلاء في كل مجتمعٍ وزمانٍ ومكان.
إنَّ التوجيهات الأبوية لسيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، حفظه الله، وتأكيده على الحفاظ على سلامة الأسرة وضمان مستقبلها أمرٌ في غاية الاستعجال والأهمية، لأنَّها الركيزة العظمى وأساس الاستقرار والاستمرار، وسيكون هذا التوجيه مناراً عالمياً لمجتمعات ودولٍ تأخرت في العناية به. وستقتبس من هذه الحكمة التي سبق بها صاحب السُّمو الشيخ محمد بن زايد، حفظه الله.
فلنسارع إلى تحقيق رؤيته، والعمل بنور حكمته، لتبقى الصدارة والجدارة لهذا الوطن.
فحفظ الله سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد وحفظ أسرنا وأجيالنا.

من نُور فكْركَ تُشرق الأنْوَارُ      فتُضِيئ أوطَانٌ لنَا وديَارُ



إقرأ المزيد