مركز «مواهب» وتطوير رأس المال البشري
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

منذ افتتاح مركز «مواهب» في عام 2023، كمبادرة تستهدف اكتشاف الكفاءات المواطنة وتطوير وصقل مهاراتها، لم يعُد هذا المركز يُنظر إليه باعتباره مجرد منصة تستقطب الباحثين عن فرص عمل، بل بات يمثلُ نموذجاً وطنياً متكاملاً يُعنى بتطوير رأس المال البشري، وإبراز القدرات الكامنة لدى هذه الكفاءات وتوجيهها، إلى جانب دوره في تعزيز مستوى تنافسيتها وتمكينها من الحضور الفاعل في مختلف القطاعات داخل دولة الإمارات.
اليوم، وبعد مرور نحو 3 سنوات على انطلاقه، أسهمت مبادرات مركز «مواهب» وبرامجه في دعم توظيف أكثر من 10 آلاف كفاءة مواطنة وتعزيز اندماجها في سوق العمل، وهذه الأرقام ليست مؤشرات كمية، بل إنها تعكس عمق النهج الحكومي في الاستثمار المستدام لرأس المال البشري المواطن، بما ينسجم مع رؤية الإمارات، التي تضع الإنسان في صدارة أولويات التنمية وبناء اقتصاد قائم على المعرفة. 
وما يميّز تجربة مركز «مواهب» أنه لم يقتصر على تسهيل فرص التوظيف في القطاعين الحكومي والخاص، ولكن حرص على بناء منظومة تعليم وتدريب مستدامة تواكب المتغيرات التقنية والاقتصادية في سوق العمل العالمي. وتؤكد الإحصائيات المتاحة في هذا المجال أن أكثر من 6500 مواطن حصلوا على فرص عمل خلال عام 2025 بفضل شراكات استراتيجية مع مؤسسات حكومية وخاصة، فيما تم صقل مهارات أكثر من 4000 باحث عن عمل، ما يدل على أن التدريب والتوظيف يسيران جنباً إلى جنب ضمن رؤية تكاملية شاملة. 
وقد شهد سمو الشيخ هزاع بن زايد آل نهيان، ممثل الحاكم في منطقة العين في أكتوبر الماضي، إطلاق ملتقى «تمكين المواهب الوطنية في العين»، حيث جرى الإعلان عن توقيع 17 مذكرة تفاهم بين دائرة التمكين الحكومي- أبوظبي ممثلة بمركز مواهب، وعدد من الجهات الحكومية وشبه الحكومية ومؤسسات بارزة من القطاع الخاص، وتركّز هذه المذكرات على توفير أكثر من 3000 فرصة عمل للمواطنين ضمن قطاعات حيوية تشمل القطاع المصرفي والتمويل والتعليم والتقنيات الناشئة وخدمة المتعاملين، كما تتضمن حزمة برامج تدريب وتأهيل متنوّعة بالتعاون مع جهات كبرى مثل وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة وشركة أدنوك ومبادلة، بما يعزّز توفير مسارات مهنية واعدة للكفاءات الوطنية، دعماً لسياسات استقطاب الكوادر الإماراتية وتمكينها للمشاركة الفاعلة في مسيرة البناء والتنمية المستدامة.
وتبرز حيوية مركز «مواهب» بصورة أوضح من خلال مبادراته النوعية، التي تجمع بين التأهيل الأكاديمي والتطبيق في سوق العمل. ومن أبرز هذه المبادرات برنامج «المسعف الإماراتي» بالشراكة مع هيئة أبوظبي للدفاع المدني وكلية فاطمة للعلوم الصحية، وبرنامج «قدرتك» الذي أطلق بالتعاون مع مجموعة G42 بهدف تمكين الكفاءات الوطنية في مجالات العمل عن بُعد ومهارات استخدام الذكاء الاصطناعي. هذه المبادرات لا تواكب فقط المتطلبات المتسارعة لسوق العمل الحالية، بل تسعى إلى إعداد الكفاءات المواطنة للانخراط بفاعلية في قطاعات المستقبل، حيث يشكّل الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والابتكار ركائز أساسية لمسارات النمو والتنمية. 
كما أقام مركز «مواهب» شراكات استراتيجية فعّالة مع عدد من المؤسسات المتقدمة، من أبرزها أكاديمية سوق أبوظبي العالمي، حيث يعمل الجانبان على تطوير برامج تدريبية متخصّصة تربط بين التأهيل المهني واحتياجات سوق العمل المتغيرة، وأسهم هذا التعاون في تأهيل آلاف المواطنين وتوفير فرص عمل في قطاعات الخدمات المالية والتقنيات الرقمية والاستشارات. كما تشمل مبادرات التدريب برامج مهارية مثل: الطباعة ثلاثية الأبعاد، بهدف تزويد الباحثين عن عمل بمهارات تطبيقية تتماشى مع التحولات الصناعية الحديثة. وبما يواكب مستهدفات التنمية المستدامة ورؤية الإمارات 2071. 
يرتكز نجاح مركز «مواهب» على تعزيز ثقافة التمكين الذاتي وترسيخ مبدأ الاعتماد على الطاقات الوطنية. وتنطلق فلسفة عمل المركز من إدراك مفاده أن التحدي الجوهري لم يُعد يقتصر على توفير الوظائف، بل يتجاوز ذلك نحو إعداد جيل يمتلك القدرة على قيادة قطاعات المستقبل بثقة وكفاءة، وتحمل مسؤولية دفع مسيرة التنمية ضمن مرحلة تتسم بتسارع التحولات. ولا شك أن ما يحققه المركز حالياً يمثل انعكاساً مباشراً لرؤية القيادة الرشيدة التي تنظر إلى الإنسان بوصفه الاستثمار الأكثر أهمية، فكلما تعزز تمكينه، اتسعت قوة الدولة وارتفعت قدرتها على المنافسة والابتكار.

*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية. 

 



إقرأ المزيد