جريدة الإتحاد - 3/20/2026 3:05:33 PM - GMT (+4 )
قُدّر على الإنسان أن يكون في هذا العالم ليمر بأطوارٍ متعدّدة في وجوده المادّي، كما خُلق أطواراً في وجوده الجنيني، ولكل طور أهميّته في تاريخية وجود الإنسان وتطوّره حتى يبلغ نهايته. ولعلّ من أهمّ أطوار هذا الوجود هذا الطّور الوسط بين الجنينية واليفاع، وهو طور الطفولة الذي تتحدّد فيه السّمات الكلية الثّابتة التي قلّما يفصم عنها المرء أو يحيد، حتى قيل إنّ الطّبع يغلب التطبّع، وقيل «الطفل أبُ الرجل»، في إدراك لخطورة مرحلة الطفولة وتميّزها عن طور الرجولة.
«عالمُ الطّفل غيرُ عالم الرجل»: أهم اكتشاف حديث قدّمه كتاب «إميل أو التربية» لجان جاك روسو، هذا الكتاب الذي اكتشف عالم الطفولة ببراءتها، وقدّم منهجاً للتربية يراعي الفطرة وعدم التدخّل فيها، بحجة مسؤولية الراشد تربية وتعليماً، بتعليمات تصطدم وقدرات الطفل وتطلّعاته وطرائقه الذاتية في التّعلم والتعليم، مما يُعطّل نموه الطبيعي.
فالطّفل يجب أن يُترك ليتعلم من الطبيعة، إنّ التعليم الطبيعي الموافق للفطرة والذي يراعي طبيعته الخاصة هو التّعليم القادر على أن يُخرج بالفعل كل ما أضمره الله تعالى في كيان هذا الطفل من إمكانات واستعدادات هائلة.
إذا كان روسو قد فتح قارّة علم التربية على مصراعيها وتحققت بعدها تراكمات أغنت هذا الحقل وجعلته، مع تطور العلوم الإنسانية والمعرفية، علوماً كثيرة، حتى أصبحنا نرى نماذج من أطفال قد وصلوا إلى النّضج في سنوات الصّبا أضعاف ما وصل إليه بعض الكبار في سنوات الرشد والنضج، فإن لنا نماذج من طرائق معتبرة في تربية الأطفال، من تراثنا، تصبّ في هذا المنحى وتسلك ذات المسلك.
تردّدت في تراثنا مقولةٌ تُحدّد مراحلَ التّربية في أربع خطواتٍ: «لاعبْ ابنك سبْعاً، ثم أدّبْه سبْعاً، ثم صاحبْه سبْعاً، ثم اتركه على غاربه»، فها هنا نجد أنفسنا أمام طرائق حديثة في التربية حيث تبدأ التّربية بـ«بيداغوجيا اللعب» التي تراعي فطرة الطّفل الذاتية في التعلّم، ثم «التّأديب» الذي يتيح للطّفل أدوات اكتشاف العالم بالضّروري من المعرفة العلمية، التي تُكوّن عنده قاعدةَ معارفه اللاحقة، ثم «المصاحبة» حيث يصبح المربي مرافقاً للطفل يساعده على التّعليم الطبيعي قبل أن يتركه للحياة يخْبرُها وتخْبُره.
ولنا في قصة حي بن يقظان تجسيداً لهذه المعاني اللطيفة، وبخاصة المعنى الأخير، ولابن طفيل قول طريف في هذا المعنى في مقدمة قصته الفلسفية. أوثر عن الرّسول الكريم أنّه كان «يُحسن إلى الأطفال ويمازحهم ويلين في تعامله معهم»، حتى إنه كان يلاطف طفلاً حزن على فقد طائر له، فيقول له: «يا عُمير ما فعل النّغير»، تعبيراً عن مشاركة عاطفية عميقة، وقد صرّح أنس بن مالك أنه خدم النبيّ الكريم عشر سنين، فما قال له أفٍّ قط، ولا قال له لشيء لمْ يفعله لو كان فعله، ولا لشيء فعله لِمَ فعله؟ والأمثلة على التّعامل مع الأطفال تعاملاً راقياً يراعي فطرتهم ويتيح لهم التّعلم من خبراتهم كثيرة في تراثنا، ولكن وجدنا أن هذه المساحة تقلّصت مع الزّمن مع ضيق عالم الطفولة واتساع عالم الرجولة، حتى احتوى عالمُ الرجل عالمَ الطفولة وكاد يضيّق عليه الأفق.
«أنتم أغلى وأعزّ ما يملكه الوطن»، بهذه الكلمات التي صرّح بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، يتابع تراثنا مسيرته المشرقة في الاعتناء بتوسيع عالم الطفولة، وإعداد معاقد القلوب للمستقبل بتهييء فضاءات خصبة تنفتح فيها أزاهير المواهب وتنقدح فيها شرارة كل إبداع واعدٍ، ضمن حقل تربوي حديث، تزدوج فيها المعرفة والخبرة بالإشراف الحكيم.
*مدير مركز الدراسات الفلسفية بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية
إقرأ المزيد


