مَنْ يحكم إيران؟
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في مقال  بمجلة «فورين آفيرز» بعنوان «المعركة الحقيقية من أجل مستقبل إيران: من سيُحدّد مصير الجمهورية الإسلامية؟»، كتب الباحث الأميركي من أصول إيرانية أفشون استوار أن النظام السياسي في طهران يعيش في الوقت الحالي أزمةَ قيادة حادة بعد القضاء على الصف الأول فيه خلال أول أيام الحرب الحالية. وفي هذا الباب، ميّز الكاتب بين مشهدين، يُفضي أحدهما إلى قيام حكم استبدادي عسكري يتحكم فيه «الحرس الثوري» بتوجهات راديكالية عنيفة، ويتمثل الآخر في صعود وجوه إصلاحية معتدلة وبرغماتية قادرة على المصالحة مع المحيط الإقليمي والقوى الدولية.

ومن الجلي، بحسب المعطيات الملموسة، أن السيناريو الأول هو الذي بدأ بالتحقق عملياً، إذ نرى مؤشراتٍ واضحةً على تزايد السلوك العدواني من جانب إيران تجاه جيرانها من العرب الذين لم ينخرطوا في المواجهة وليسوا طرفاً فيها، كما نلاحظ التشدد السياسي إزاء المجتمع المدني والمعارضة السياسية الداخلية.

لكن لماذا لا يمكن الرهان على الشخصيات الإصلاحية المعتدلة في المستقبل القريب؟ للإجابة عن هذا السؤال، لا بدّ من الرجوع إلى مسار تشكّل الحالة الإيرانية بعد سقوط الشاه سنة 1979. في بداية التغيير، تَشكّل تحالفٌ واسع من التيارات السياسية والفكرية، من بينها زعاماتٌ ليبراليةٌ مثل رئيس الحكومة الأول للجمهورية مهدي بازركان ورئيس الجمهورية المنتخب أبو الحسن بني صدر.

وقد استقال الأول احتجاجاً على انحراف النظام، وفُرض على الثاني الهروب إلى فرنسا والبقاء فيها لاجئاً معارضاً. ومن مكونات هذا التحالف حزب «تودة» الشيوعي الذي شارك بقوة في الثورة، لكنه حُرم وأُقصي في سنوات حكم الخميني الأولى، وحزب «مجاهدين خلق» الذي عَرف المصيرَ نفسَه. لم تمضِ سنة واحدة على التغيير، حتى افتك الجناحُ الراديكالي السلطةَ، وأسس لدستور «ولاية الفقيه» الذي يقوم على الازدواجية المؤسسية بين موقع المرشد الأعلى الذي يتمتع بالسلطات المطلقة، خصوصاً التحكم في القوانين والإشراف على الأجهزة العسكرية وعلى الإعلام العمومي، ومنصب رئيس الجمهورية المنتخب محدود الصلاحيات والمسؤوليات.

بعد سنوات عصيبة من الاحتقان العنيف والتصفيات الدموية، ظهر صِدام ملموس بين الاتجاهين، الاتجاه المحافظ المدعوم من المرشد والحرس الثوري، والاتجاه الإصلاحي الذي استطاع الوصولَ إلى الرئاسة في بعض المراحل: أكبر هاشمي رفسنجاني (من 1989 إلى 1997) ومحمد خاتمي (من 1997 إلى 2005).

إلا أن النظام السياسي ازداد راديكاليةً وانغلاقاً خلال عشرين سنة الأخيرة، وواجه بالقمع العنيف حركةَ المعارضة المدنية والسياسة السلمية: الحركة الخضراء (2009) والمظاهرات الاحتجاجية سنتي 2017 و2019، والحركة النسوية (2022)، والانتفاضة الشعبية الأخيرة في يناير الماضي. وفي الوقت الذي تصاعد التمرد من داخل الحقل الديني، بظهور اتجاه نقدي مناهض لأيديولوجيا ولاية الفقيه غدا له تأثير واسع في الحوزات العلمية، تزايد نشاطُ الحركة المدنية المناهضة للنظام، وتركزت هذه الحركة داخل المجموعات الشبابية والنسوية. بيد أن الطابع العسكري الأمني للنظام تعمّق إلى حد القضاء على الهوامش المحدودة من الحرية التي كانت متاحةً من قبل. واليوم مع التخلص من القيادة الدينية التي كانت واجهة النظام السياسي، أحكم الحرس الثوري قبضتَه على السلطة، والأمر هنا يتعلق بنمط من المليشيات المسلحة المهيمنة على مختلف دوائر المجتمع وبصفة خاصة الميدان الاقتصادي.

وفي كتاب «طليعة الإمام» (vantard of imam)، الذي خصصه للحرس الثوري، بيّن استوار أن هذا الجهاز ليس مجرد قوة عسكرية، بل هو كذلك كتلة أيديولوجية صارمة يتلخص دورها في حماية نظام ولاية الفقيه القائم، وتصدير «الثورة الإسلامية» إلى الخارج.

وإذا كان هيكل الحرس الثوري قد تشكّل في سياق الحرب مع العراق بدايةً من مطلع ثمانينيات القرن الماضي، إلا أنه تحوّل تدريجياً إلى قوة عسكرية كبرى وفاعل سياسي مؤثر وقوة اقتصادية مكينة، إلى حدّ أنه أصبح «دولة داخل الدولة» وغدا خط الدفاع الحقيقي عن «شرعية» النظام وبقائه. والسؤال الذي لا بدّ من طرحه في الوضع الراهن: ما هو نمط التهديد الذي تواجهه مستقبلاً منطقتُنا في حال بقاء الحرس الثوري في السلطة بعد نهاية الحرب الحالية؟

الإجابةُ هي أن إيران خسرت الجانبَ الأوفرَ مِن قوتها العسكرية، كما أن سياساتها العدوانية أفقدت جيرانَها الثقةَ فيها، بما يفرض عليها العزلةَ الاستراتيجية. ولذا فهي في طور التحول إلى «دولة فاشلة»، بما يتطلب ذلك من الدول الفاعلة في الإقليم تحصينَ مصالحها وأمنها الحيوي في مواجهة سلطة القوى المتعصبة الضعيفة.

*أكاديمي موريتاني



إقرأ المزيد