جريدة الإتحاد - 4/5/2026 11:49:11 PM - GMT (+4 )
تشهد الحربُ الدائرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة أخرى، تحوّلاً نوعياً في طبيعة الصراع، من صراع إقليمي إلى ساحة اختبار مفتوحة لإعادة تشكيل النظام الدولي. فالمواقف الدولية لم تَعُد تُقرأ فقط في إطار ردود الفعل السياسية، بل باتت تعكس تصورات استراتيجية عميقة حول توازن القوى، وحدود النفوذ، ومستقبل الشرعية الدولية. وفي هذا السياق، يبرز دور الأمم المتحدة بوصفها إطاراً قانونياً يُعنى بتنظيم سلوك الدول، إلا أن عجزها المتكرر عن فرض قراراتها، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2817، يعكس حالة من التآكل في منظومة الأمن العالمي.
فالتعثر في تنفيذ هذا القرار، ورفضُ إيران الامتثالَ لبعض بنوده، يكشفان عن فجوة متزايدة بين النص القانوني والواقع السياسي، وهي فجوة يستغلها الفاعلون الإقليميون والعالميون لتكريس نفوذهم بعيداً عن أي التزام دولي.
ويرى عدد من الخبراء أن هذا المشهد يُعيد إنتاج نموذج «الفوضى المنظمة»، حيث تُدار الأزمات لا لحلها، بل لضبط إيقاعها بما يخدم مصالح القوى الكبرى. وتتبنّى المملكة المتحدة مقاربةً حذرةً تمزج بين الالتزام التاريخي بالتحالف مع الولايات المتحدة، وبين إدراك متزايد لمخاطر الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة.
فالموقف البريطاني، يشير إلى أن الأولوية تكمن في حماية خطوط الملاحة وأمن الطاقة، لا في توسيع رقعة الحرب. ويذهب بعض المحللين إلى أن بريطانيا تحاول استعادةَ دور «الوسيط القادر»، مستفيدةً من علاقاتها المتشابكة من مختلف أطراف الصراع، دون أن تتحمّل كلفةَ الانخراط العسكري المباشر فيه.
أما الاتحاد الأوروبي، فيبدو أكثر تردداً وتشتتاً، حيث تتنازع دولَه مقارباتٌ مختلفةٌ تعكس أولوياتٍ داخليةً متباينةً. إلا أن الرؤيةَ العامةَ، وفق تقديرات خبراء السياسة الأوروبية، تتمحور حول احتواء التداعيات لا التأثير في مسار الصراع.
وهكذا تنظر أوروبا بقلق بالغ إلى انعكاسات الحرب على أسواق الطاقة، وعلى موجات الهجرة المحتملة، وهو ما يدفعها إلى تبنِّي خطاب دبلوماسي يُركّز على التهدئة، دون امتلاك أدوات ضغط حقيقية على الأطراف المتصارعة.
فيما يظل حلف شمال الأطلسي (الناتو) حاضراً كإطار ردع استراتيجي، أكثر منه أداةَ تدخل مباشر. فمفهوم «الدفاع المشترك» لا يزال مصطلحاً شائكاً وفضفاضاً، رغم كونه ركيزةً أساسيةً في التفكير الغربي، لكنه يُستخدم في هذه المرحلة كرسالة سياسية لاحتواء التهديدات، لا كآلية عسكرية وسياسية قد تسهم في توسيع نطاق الحرب. وفي المقابل، تتعامل روسيا مع الأزمة باعتبارها فرصةً استراتيجيةً لإعادة تثبيت موقعها كقوة دولية موازنة. فالموقف الروسي يقوم على فكرة أن انشغال الغرب في هذا النزاع يفتح المجالَ لتوسيع هامش الحركة الروسية، سواء في الشرق الأوسط أم في ساحات أخرى.
وهو ما يدفع موسكو للمحافظة على توازن دقيق بين دعم إيران سياسياً، واستدامة قنوات التواصل مع مختلف أطراف الصراع، في محاولة لتعظيم مكاسبها دون التورط في مواجهة مباشرة مع أي منهم. أما الصين، فتقدّم نموذجاً مختلفاً في إدارة الأزمات، أساسه ما يمكن وصفه بـ«البراغماتية الهادئة».
فبكين لا ترى في التصعيد العسكري أداةً لتحقيق النفوذ، بل تعتبر الاستقرار شرطاً أساسياً لاستمرار مشاريعها الاقتصادية، خصوصاً في إطار مبادرة «الحزام والطريق». وهو ما يستحثها للدفع نحو الحلول السياسية، مع تعزيز حضورها كوسيط دولي، في محاولة لإعادة تعريف دورها وتكريس حضورها في النظام العالمي.
وفي المحصلة، تكشف هذه المواقف عن واقع دولي يتجه نحو مزيد من التعقيد، حيث تتداخل الحسابات الأمنية مع المصالح الاقتصادية، وتُدار الأزمات وفق منطق «التوازن الحذر» لا الحسم. وبين عجز المؤسسات الدولية عن فرض قواعد ملزمة، وتنامي دور القوى الكبرى في توجيه مسار الصراعات، يبقى الشرق الأوسط ساحة مفتوحة لإعادة رسم خرائط النفوذ في عالم يتجه بثبات نحو التعددية القطبية.
*كاتبة إماراتية
إقرأ المزيد


