«خبراء الإمارات» وتعزيز استخدام الذكاء الاصطناعي
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

يأتي الإقبال الكبير على مسار الذكاء الاصطناعي ضمن برنامج «خبراء الإمارات»، والذي تجاوز 1000 طلب خلال أقل من شهرين، بوصفه مؤشراً دالاً على وعي الكفاءات الوطنية بالأهمية الفائقة لمواكبة التكنولوجيا المتقدمة، فلم يعد الذكاء الاصطناعي محصوراً في بعض التخصصات، بل غدا أحد محددات القوة في الاقتصاد الحديث، ومحركاً رئيسياً لإعادة تشكيل أنماط العمل والإنتاج، بل وصناعة القرار.ويكتسب مسار الذكاء الاصطناعي ضمن برنامج خبراء الإمارات أهمية خاصة لكونه لا يكتفي فقط بنقل المعرفة، بل يسعى إلى صياغة نموذج مختلف للخبير، يجمع بين الفهم العميق للتكنولوجيا والقدرة على توظيفها ضمن سياقاتها التطبيقية في القطاعات الحيوية. 
ولعله من المهم التأكيد في هذا السياق، على أن المعايير التي تحكم اختيار المشاركين، من تميز أكاديمي وخبرة مهنية وقدرات قيادية، لا تستهدف تخريج متلقين للمعرفة، بل صُنّاع أثر قادرين على تحويل هذه المعرفة إلى نتائج قابلة للقياس داخل المؤسسات. 
ويعزز هذا الأمر، تصميم البرنامج ذاته، القائم على مزج التدريب المكثف بالتوجيه الاستراتيجي والإرشاد التقني، بما يخلق بيئة تعلم تتقاطع فيها الرؤية الوطنية مع الخبرة الفنية، وتتلاشى فيها الفجوة التقليدية بين النظرية والتطبيق.
ومن اللافت للنظر في هذا البرنامج، حصول المشاركين على دعم عبر منظومة توجيه على مستويين، أحدهما استراتيجي والآخر تقني، وهو ما يعكس إدراكاً مؤسسياً شاملاً لطبيعة التحدي الحقيقي في مجال الذكاء الاصطناعي. فالمسألة لم تعد تتعلق بامتلاك المعرفة بقدر ما تتصل بتوجيهها وفق أولويات الدولة، وتحويلها إلى حلول عملية قابلة للتنفيذ. 
وفي الواقع، فإنه لا يمكن قراءة هذا المسار بمعزل عن الإطار الاستراتيجي الأوسع الذي تتحرك في إطاره دولة الإمارات، وفي مقدمته الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031، التي تستهدف توسيع نطاق توظيف التقنيات الذكية في الخدمات الحكومية، وتعزيز كفاءة الأداء المؤسسي، وبناء بيئات عمل أكثر ابتكارًا. كما ينسجم هذا التوجه مع منظومة مؤسسية متنامية، تشمل مؤسسات تعليمية وبحثية متقدمة، تتصدرها جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، التي تمثل نموذجاً فريداً في تكريس الموارد للبحث العلمي، وإعداد كوادر قادرة على تطوير تطبيقات عملية ذات أثر مباشر في الاقتصاد والمجتمع.
ولعل ما تؤكده المؤشرات الدولية يبيّن أن هذا التوجه لم يعد مجرد طموح، بل بات واقعاً ملموساً، إذ سجلت الإمارات واحدة من أعلى نسب تبني أدوات الذكاء الاصطناعي في العالم، إلى جانب توسع لافت في قاعدة الكفاءات التقنية. وتعكس الشراكات الدولية النوعية، سواء مع فرنسا في مجالات الطاقة المتجددة والرقائق المتقدمة، أو مع الولايات المتحدة في تطوير بنى الحوسبة الفائقة، الحرص الكبير على ترسيخ موقع الدولة في قلب سلاسل القيمة العالمية للتكنولوجيا.
ومع ذلك، فإن القيمة الحقيقية لهذه الإنجازات لا تكمن في أرقامها، بل فيما تعكسه من بناء منظومة متكاملة تتقاطع فيها السياسات العامة مع البنية التحتية الرقمية، ويتكامل فيها الاستثمار في التكنولوجيا مع الاستثمار في الإنسان. ومن هنا، يصبح تطوير الكفاءات الوطنية ليس خياراً مكملاً، بل شرطاً حاسماً لضمان استدامة هذا التقدم وتحويله إلى ميزة تنافسية راسخة.
إن مسار الذكاء الاصطناعي ضمن برنامج خبراء الإمارات يجسّد انتقال دولة الإمارات من مرحلة تبني التكنولوجيا إلى مرحلة إنتاجها وتوطينها، عبر استثمار منهجي في رأس المال البشري. فالتحدي في المرحلة المقبلة لن يكون في الوصول إلى التكنولوجيا، بل في القدرة على توظيفها بكفاءة، وتحويلها إلى قيمة مضافة. ومن ثم، فإن مثل هذه البرامج لا تُقرأ بوصفها مبادرات تدريبية، بل باعتبارها أدوات استراتيجية لإعادة تشكيل موقع الإمارات في الاقتصاد الرقمي العالمي، انطلاقاً من معادلة متوازنة تجمع بين الطموح والاستثمار في الإنسان.

*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية. 



إقرأ المزيد