الإمارات.. صلابة الوعي في مواجهة الكراهية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في أوقات الحروب، حين تعلو أصوات المدافع، ويضيق الأفق تحت أزيز الطائرات والصواريخ، يتراجع كل شيء أمام سؤال حتمي وهو: مَنْ يحمي الإنسان الذي لم يطلب من الحياة سوى بيت آمن، وقلب مطمئن، ويوم عادي يخلو من الفزع؟ فالحروب - مهما اختلفت شعاراتها وأسبابها - تبدأ حين يسقط الإنسان من حسابات مَنْ يملكون قرار النار، وحين تتحول الكراهية إلى عقيدة، والانتقام إلى سياسة، والتدمير إلى لغة.وعبر التاريخ، لم يكن وقود الحروب الحقيقي هم أولئك الجالسون خلف الطاولات يديرون الكراهية، ولا الذين يضعون خرائط الموت ببرود الحسابات، إنه الإنسان المسالم، إنه الأب الذي يعود متعباً من سعيه وراء لقمة العيش، والأم التي تنسج في البيت طمأنينته اليومية، والطفل الذي لا يعرف من العالم إلا أن له نافذة وسقفاً وحلماً صغيراً يريد أن يكبر معه. وفي لحظة واحدة، قد تسقط شظية على هذا العالم الصغير فينهار البيت، لا كجدران فقط، بل كمعنى، ويتحول الأمان إلى خوف، واليقين إلى قلق، والأمل إلى سؤال موجع.
هذه هي الجريمة الأخلاقية الكبرى في الحروب، أن الخاسر الأول فيها ليس مَن أشعلها، بل مَن وجد نفسه فجأة داخلها دون اختيار. ولهذا، فإن كل مشروع عدواني لا يكشف فقط عن نزعة تدمير لمن ضغط الزناد، بل يكشف أيضاً عن خواء إنساني عميق وعجز أخلاقي لا يرى في الجوار إلا ساحة مفتوحة للكراهية، ولا يرى في الشعوب إلا أهدافاً محتملة للابتزاز والفوضى والتهديد.
لقد أطلقت إيران عدوانها، محمّلة بكل ما في خطابها من توتر وكراهية متراكمة، ظناً منها أن الصواريخ يمكن أن تهز وعي الشعوب، أو أن الرعب قادر على تعطيل مسيرة الأوطان. لكنها أخطأت في فهم المعنى العميق للدولة الإماراتية، وأخطأت أكثر في قراءة طبيعة المجتمع الإماراتي، فالإمارات ليست كياناً هشّاً يمكن أن تربكه لحظة توتر، وليست مجتمعاً قابلاً للتراجع كلما ارتفعت حدة الأزمات، إنها دولة تأسست على رؤية، وتحصّنت بالاتحاد، وتقدمت بالعمل، وراكمت من الوعي والثقة بقيادتها ما يجعلها أكبر من محاولات التخويف وأرسخ من أن تزعزعها نزعات عدوانية عابرة.
لقد كشفت هذه الأزمة عن الفارق بين مَنْ يبني ومن يهدم، بين مَن يحمل مشروع حياة ومَن لا يملك إلا أدوات التخريب، بين دولة ترى الإنسان غايتها الكبرى وقوى لا ترى في الإنسان إلا رقماً في معادلات العنف. وهنا تتجلى قوة الإمارات الحقيقية، ليست فقط في جاهزيتها ولا فقط في قدرة مؤسساتها، ولكن في صلابة وعيها الجمعي، وفي ذلك التماسك المجتمعي بين كل مكونات المجتمع، من مواطنين ومقيمين، الذي يجعلها تواجه الخطر بعين مفتوحة، وقلب ثابت، وعقل لا يضل طريقه وسط الضجيج.
في قلب هذه اللحظة الفارقة في تاريخ الإمارات، برزت حكمة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بوصفها عنواناً لمرحلة كاملة من الاتزان الوطني العميق، وحكمة لا تنفصل فيها القيادة عن الوعي، ولا تنفصل فيها الحماية عن استكمال مسيرة البناء، فعظمة الأمم تقاس بقدرتها على ألا تسمح للخطر بأن يغير شخصيتها، أو يُربك بوصلتها، أو يُعطل مشروعها الحضاري. ومن هنا، كان التعامل الإماراتي مع الأزمة تعبيراً عن دولة تعرف كيف تحمي أمنها دون أن تتخلى عن نُبل رؤيتها، وكيف تواجه العدوان دون أن تسقط في فوضى الانفعال.
كما أثبتت قواتنا المسلحة أنها هي عنوان ثقة وطنية، ودرع سيادي، وتجسيد حي لمعنى الجاهزية والانتماء والانضباط. إنها القوة التي تثبت حضورها حين تحتاجها الأوطان، وتؤكد أن أمن الإمارات حقيقة يحرسها رجال يعرفون جيداً معنى الواجب، ومعنى أن يبقى الوطن آمناً مهما تصاعدت العواصف.
لكن الأهم من كل ذلك، أن هذه اللحظات الصعبة لا تمر على الشعوب الحية دون أثر، فهي - وإن كانت موجعة - تصقل الوعي، وتعيد ترتيب الأولويات، وتمنح المجتمعات فرصة نادرة لاكتشاف معدنها الحقيقي. وربما لهذا، لن نخرج من هذه الأزمة كما دخلناها، سنخرج أكثر صلابة، وأكثر التفافاً حول وطننا وقيادتنا، وأكثر يقيناً بأن الطريق الذي اخترناه، بوصفنا دولة مشروع ومستقبل وحضارة، هو الطريق الصحيح، مهما حاولت قوى الكراهية أن تعترضه.
في النهاية، ستصمت المدافع، وسيخفت أزيز الطائرات، وستنطفئ لحظة التوتر كما انطفأت قبلها أزمات كثيرة. لكن ما سيبقى هو الفرق الأخلاقي والتاريخي بين مَنْ جعل من الكراهية مشروعاً ومَنْ جعل من الإنسان قضية. وستبقى الإمارات - كما كانت دائماً - دولة تعرف كيف تعبر المحن بثبات، وكيف تحوّل التحدي إلى مزيد من التماسك، والخطر إلى مزيد من الوعي، واللحظة القاسية إلى خطوة إضافية في مسيرتها نحو المستقبل.
فالأوطان العظيمة تعرف أن رسالتها أكبر من الخوف، وأن إرادتها أصلب من الصواريخ، وأن المستقبل لا يصنعه صخب الحروب، بل تصنعه الأمم التي تؤمن بالحياة.
*باحثة إماراتية في الأمن الاجتماعي والثقافي، أستاذ زائر بكليات التقنية العليا للطالبات، أستاذ زائر بجامعة الإمارات العربية المتحدة.



إقرأ المزيد