جريدة الإتحاد - 4/6/2026 12:16:42 AM - GMT (+4 )
يصاب المرء بالصداع، وأحياناً بالغثيان لمجرد الجلوس أمام الشاشة الصغيرة، والاستماع إلى تهويلات، وتأويلات، وتحليلات تشبه رجلاً عجوزاً، يفكر في تسلق جبال الهيمالايا، ولمجرد أن يقف أمام هذه الهالة الفظيعة، وينظر إلى ذلك العملاق الصخري، يعود القهقرى، ولما يصل إلى بيته، يعلن لأهله، وكل من حضر ليسمع عن بطولة، ومغامرة مدهشة، فيقول لهم: ما أسهل أن تصعد تلك الجبال، إنها متعة لا تساويها أي متعة.
هؤلاء المجازفون في تحليل ما لا يمكن معرفته إلا بطريقة سحرية خرافية تفوق طاقة البشر، ونراهم يلوّحون بالأيدي، ويحركون الرؤوس مثل مراوح يدوية، ويخرجون بتحليلات تذهب العقل، وترفع الضغط، وتجعل الإنسان يفكر بالطيران، ليرتفع فوق الأرض بعيداً عما يسمعه من مصطلحات غرائبية، وبراهين لا علاقة لها بالحرب الدائرة في المنطقة لأنهم في حقيقة الأمر، يتحدثون عن أشياء غيبية، لا يعلمها إلا كاهن متعدد المواهب، ولكن التلفزيونات وجدت ضالتها في هذه الأبواق، وأعدّت العدة، وفرشت لهم ساحات، وساعات من الوقت، لكي يفرزوا عرق جهودهم في التحليق مثل طيور مهاجرة، لا تعرف أين تحط أجنحتها، في أمكنة، وزوايا.
لم يعد أحد يميز ما بين الغث والسمين، فكلٌّ يقول أنا أعرف، وكلٌّ يقول أنا سقراط، وسقراط بعظمته، وقوة بصيرته، قال بصراحه: (كل ما أعرفه، أنني لا أعرف شيئاً) هكذا تبدو سجية العظماء، ولأنهم مقتنعون بأن العالم بكل ما فيه من معارف، ووسائل معرفه، فلا أحد يدّعي أنه أبو العريف، لأن الحياة محيط، وعقولنا محارة صغيرة في هذا المحيط، وكان ينبغي على هؤلاء المحللين، أن يقولوا (ربما، ولا يقولوا بالتأكيد) حتى يتركوا الفرصة للاحتمالات أن تأخذ مساحتها من الزمن، وتنكشف الحقائق، فهذه حرب، وفي الحروب تلعب السياسة، كما تتحرك الأمواج في المحيط، ولا يستطيع أحد أن يجزم، وأحدهم قال بثقة: (في نهاية المطاف سوف تنتصر إيران، لأنها تملك مقومات الظفر، ولا أدري عن أي مقومات يتحدث الأخ، بينما هذه الدولة تعاني قبل الحرب بروماتيزم الاقتصاد، وآلتها الحربية قديمة، وسياستها متهالكة، فمن قال له، ومن همس في أذنه، ومن أوحى بأن إيران تستطيع أن تخرج من النفق منتصرة، وهي فقدت أجواءها، حتى صارت الطائرات الأميركية، والإسرائيلية مظلة تغطي الجغرافيا السمائية لهذا البلد المُبتلى بالمدّعين. أتمنى من إدارات المحطات التلفزيونية إن يكفوا عن تأليف ما لا يمكن تأليفه إلا في الحالات القصوى للأمراض المعدية، والتي يجمع فيها كل المصابين، ليكونوا في عزلة، بعيداً عن الأصحاء.
إقرأ المزيد


