استراتيجية الخليج بعد الحرب
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

رأت كل عينٍ بصيرةٍ أن التهديدات الإيرانية باتت واقعاً وخطراً جماعياً على الشرق الأوسط بأكمله، فباندلاع الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية من جهة، وإيران من جهة أخرى، دخلت المنطقة برمّتها، وفي مركزها دول مجلس التعاون الخليجي، فصلاً جديداً للمخاطر، يفرض إعادة صياغة مفهوم الأمن الإقليمي لانتهاج استراتيجية جديدة مع المخاطر المحدقة بالمنطقة، بجانبين يسند بعضهما بعضاً: الاقتصاد والأمن.لقد حافظت دول مجلس التعاون الخليجي على سياسة خفض التصعيد في المنطقة، وانتهاج الدبلوماسية كأساس في علاقتها بدول المنطقة.

لكن الرد على ذلك جاء باعتداء إيراني غاشم، مع التغاضي عن مبدأ حسن الجوار، وتهديد أمن شعوب ودول الخليج. ومع توقف الحرب بهدنة، فإن الصراع لا يزال دائراً بين الأطراف المنخرطة، حتى وإنْ توقّف لبعض الوقت. وعلى ما يبدو، فإن دول الخليج العربية تطور استراتيجيتها لردع كل مَن تسوّل له نفسه الاقتراب مجدداً من مصالحها وأمنها، عبر صياغة جديدة لمعادلات الحرب والسلام في المنطقة.
وعقب استهداف إيران دول الخليج العربية، وضع السّاسة في الخليج خرائط العلاقات والتحالفات في الإقليم والعالم على طاولة البحث لإعادة تقييم مَن يُعوَّل عليه، ويستحق أن يظل في قوائم الحلفاء، بما في ذلك الجوانب السياسية والاقتصادية والمالية والاستراتيجية. فلا يجوز أن يكون مَن وقف ضد دول الخليج أو بمواقف وسط أن يظل حليفاً لها. فبالاعتماد على مبدأ المصلحة والمواقف في الحرب، ستصوغ دول الخليج العربية شكل تحالفاتها الجديدة، بما في ذلك الدول والمنظمات الإقليمية.
وعلى المستوى الداخلي، تمضي دول الخليج العربية نحو النجاحات والازدهار كما عهدناها في السنوات الماضية، مع تعزيز أكبر للقدرات الاقتصادية والتكنولوجية والدفاعية، والتطلع إلى المشاركة في إدارة الممرات البحرية الحيوية في الشرق الأوسط، وعدم تركها لمَن ينفرد بها، أو الاعتماد على ضمانات خارجية غير حاسمة في استراتيجية أمن الملاحة بالمنطقة.
وفي مسار دول الخليج العربية لإعادة التوازن بالمنطقة، لا ينبغي أن يقف الأمر عند الهدنة أو انتهاء الحرب، وإنما يجب تحميل المسؤولية القانونية والسياسية لكل مَن دمّر وخرَّب في المنطقة، والمطالبة بتعويضات عادلة وشاملة، وتعويض الإيرادات والفرص الاقتصادية الضائعة، وجعل أي اعتداء مكلفاً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. إن التعويضات ليست كافية، وإنما يجب إجبار المعتدي على تقديم ضمانات دولية، وربط أي تفاهم مستقبلي بضمان وقف الاعتداءات والتدخل في الشؤون الداخلية، وكذلك وقف دعم الأذرع المسلحة، ووضع شروط والتزامات مستقبلية كافية لضمان عدم العبث بأمن المنطقة.
إن إعادة النظر في الاتفاقيات الأمنية والاقتصادية هي إحدى نتائج الحرب. ورغم أن الشراكات الدفاعية لدول الخليج أثبتت نجاعتها في الدفاع، فإن بعضها -على ما يبدو- يحتاج إلى تعاون أكثر، وإعادة تموضع مع تصاعد المخاطر الإقليمية، والاستعداد لمواجهة التهديدات في الحاضر والمستقبل، بما في ذلك تأسيس تحالفات جديدة عسكرية وغير عسكرية، أو التعاون والتنسيق بعمق أكثر بين تحالفات قائمة، مع تنويع الشراكات الدفاعية، بجانب تعزيز القدرات الذاتية إلى أقصى مدى، دون حسابات غير مصلحية تكبّل تحرك دول الخليج.
لقد تمكنت دول الخليج، عبر استراتيجياتها الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية، وقبلها السياسية، من الدفاع عن نفسها ضد هجمات إيران بفعالية بنسب تقارب العلامة الكاملة، وبقدرة تقنية متطورة. لكن مع الحرب، نكتشف ظلال الصور. وبعدما ظهرت واضحةً، فإن تنقيح التحالفات، وتطوير القدرات العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية باتا ركنَين أساسيَّين في استراتيجية دول الخليج، عقب تهديد مقدّراتها من إيران، في منطقة مضطربة ومنقسمة. وبإعادة النظر في المنظومة الأمنية، ستنوع دول الخليج شركاءها الأمنيين، بالتوازي مع التنمية والفاعلية في حماية الممرات الدولية، وتطوير ممرات جديدة، وقدرات عسكرية واستخباراتية ذاتية، ومع شركاء دوليين، لكن تأتي في المقدمة القدرات الخليجية، مع تعزيز الجاهزية المستقبلية لأي توترات واضطرابات جديدة في الشرق الأوسط. 

*الرئيس التنفيذي لمجموعة تريندز.



إقرأ المزيد