جريدة الإتحاد - 4/12/2026 11:37:12 PM - GMT (+4 )
في ظل مرحلة دولية تتسم بتشابك الأزمات وتنامي النزعات الحمائية، يكتسب الحديث عن مستقبل النظام التجاري متعدد الأطراف أهمية متجددة. وفي خضم هذا المشهد المتغير، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة بوصفها فاعلاً يسعى إلى ترسيخ قواعد الانفتاح الاقتصادي وتعزيز التعاون الدولي، وهو ما تجلى بوضوح في مشاركتها الفاعلة في المؤتمر الوزاري الرابع عشر لمنظمة التجارة العالمية الذي عُقد مؤخراً في الكاميرون.
فخلال هذه المشاركة، حرص وفد الإمارات التأكيد على أن الإجراءات المقيدة للتجارة على المستوى العالمي، تهدد بتفتيت الاقتصاد العالمي، وتضعف النمو الاقتصادي، وجددت الإمارات الدعوة إلى حشد الدعم الدولي للحفاظ على انسيابية التجارة، وتعزيز مرونة الاقتصاد العالمي في مواجهة الصدمات. كما سلط الوفد الضوء على أهمية تعزيز الشراكات الدولية، في ظل مرحلة دقيقة تمر بها التجارة العالمية.
وفي الواقع، فإن رؤية الإمارات للانفتاح التجاري تستند إلى أرقام وإحصائيات تعكس نجاح نموذجها الاقتصادي. فقد سجلت التجارة الخارجية غير النفطية للدولة أرقاماً قياسية عام 2025، حيث تخطت حاجز 3.8 تريليون درهم، أي ما يعادل حوالي 1.03 تريليون دولار أميركي، محققة نمواً لافتاً بنسبة 27% مقارنة بالعام الذي سبقه. هذا النمو الهائل دفع بالإمارات لتصبح تاسع أكبر مُصدّر للسلع في العالم صعوداً من المركز الحادي عشر، بحجم صادرات بلغ 707 مليارات دولار وفائض تجاري يقدر بنحو 162 مليار دولار.
ولا شك أن هذا النجاح لم يكن ليتحقق لولا استراتيجية الإمارات الطموحة المتمثلة في برنامج اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة، فضمن هذا البرنامج الذي انطلق عام 2021، نجحت الإمارات في نسج شبكة واسعة من العلاقات التجارية الاستراتيجية، حيث بلغ عدد اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة التي وقعتها حتى الآن 37 اتفاقية، دخلت 15 منها حيز التنفيذ الفعلي. وتفتح هذه الاتفاقيات أبواباً لأسواق جديدة تمثل ربع سكان العالم تقريباً.
وتبرز في هذا السياق الشراكة مع فيتنام كمثال حي، حيث تجاوز حجم التجارة الثنائية غير النفطية بين الدولتين 16.05 مليار دولار عام 2025، مسجلاً زيادة ملحوظة بنسبة 27.4% مقارنة بعام 2024. كما شهد التبادل التجاري غير النفطي مع جمهورية الكونغو الديمقراطية نمواً بنسبة 16.1% ليصل إلى 2.9 مليار دولار، ومع اليابان بلغ 20.3 مليار دولار عام 2025 بزيادة 16.7% مقارنة بعام 2024.
وينعكس هذا الأداء التجاري القوي بشكل مباشر على قوة الاقتصاد الوطني، فقد حقق الناتج المحلي الإجمالي لدولة الإمارات نمواً قوياً بنسبة 5.1% خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، ليصل إلى نحو 1.4 تريليون درهم.
والأكثر دلالة في هذا السياق هو الأداء القوي للقطاع غير النفطي الذي نما بنسبة 6.1% خلال الفترة ذاتها، بل وقفز معدل نموه إلى 7% في الربع الثالث من 2025. وتصدر قطاع التجارة المرتبة الأولى في مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بنسبة 16.1%، ما يعكس الأثر الإيجابي المباشر لسياسات الانفتاح التجاري على تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط، الذي بلغت مساهمته 22.7% فقط من الناتج المحلي في الربع الأول من 2025.
وفي خضم هذه الإنجازات المحلية، لا تغفل الإمارات مسؤولياتها العالمية، خاصة في ظل التحديات التي يواجهها النظام التجاري المتعدد الأطراف. فمع توقعات منظمة التجارة العالمية بتباطؤ نمو التجارة العالمية للسلع إلى 1.9% في العام 2026 مقارنة بـ 4.6% 2025، نتيجة للتوترات الجيوسياسية والضغوط التضخمية، يصبح صوت الإمارات الداعي إلى نبذ الإجراءات المقيدة للتجارة أكثر أهمية من أي وقت مضى.
إن تحذير الإمارات من مخاطر تفتيت الاقتصاد العالمي لا يعكس موقفاً آنياً فحسب، بل يجسد رؤية استراتيجية تدرك أن إضعاف الترابط الاقتصادي ينعكس سلباً على النمو ويزيد من معدلات البطالة، الأمر الذي يستدعي حشد دعم دولي حقيقي للحفاظ على انسيابية تدفق السلع والخدمات عبر الحدود. ولا يكتفي هذا التوجه، المستند إلى نموذج تنموي ناجح، بتأكيد الحضور الفاعل للإمارات، بل يعزز مكانتها كقوة إيجابية تسهم في توجيه الجهود نحو بناء نظام اقتصادي عالمي أكثر مرونة وانفتاحاً.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
إقرأ المزيد


