الحرب وأخلاق المسؤولية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في محضر لقاء الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران في نهاية سنة 1990 مع الأمين العام للأمم المتحدة وقتها خفير بريز دي كويلار، وفق شهادة جاك أتالي، مستشار ميتران أوانها، يذكر الدبلوماسي الأممي أنه صارح الرئيس العراقي صدام حسين خلال اجتماعه به قبيل الحرب بما سيحدث لبلاده من دمار شامل إنْ لم تنسحب قواته من الكويت، بيد أنه أعطاه انطباعاً بأن الأمر لا يعنيه، وكان من الواضح أن الرئيس العراقي قد استبد به وهمُ القدرة على فرض الواقع ومواجهة العالم بأسره.

وقد حدث من بعد ما كان متوقعاً، من دمار وإذلال وحصار قاس انتهى بعد سنوات بحرب اقتلعت النظام بكامله. وقبل ذلك، كرر صدّام الغلطةَ نفسها حين رفض المبادرة الإماراتية الكريمة التي كانت ستجنُّب بلادَه الحربَ عام 2003 في حال قبل التنحي عن السلطة. ما حدث مؤخراً في إيران لا يختلف عن العقلية ذاتها، من مكابرة ومواجهة دينكوشيتية، ووهم انتصار في لحظة الهزيمة المرة. وفي هذا السياق، يحضرني التمييز الشهير الذي قدّمه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر بين «أخلاق القناعة» و«أخلاق المسؤولية».

الصنف الأول من الأخلاق، يتعلق بالضمير والنيات الصافية، ويصدر عن المواقف الذاتية التي تنبني على التصور الفردي للواجب بغض النظر عن النتائج والمآلات، وهو نمط من السلوك الذي يضبط تعاملَ الأفراد في ما بينهم. أما الصنف الثاني، أي «أخلاق المسؤولية»، فيتعلق بالآثار العملية للمواقف التي تتطلب النظر الواقعي والتقويم الموضوعي والحرص على درء المخاطر والمفاسد.

في أخلاق المسؤولية، المعيار ليس المثُل المجردة، بل الإمكانات الفعلية والتسويات التوفيقية الضرورية، ومن ثم فإن السياسي الناجح عليه أن يتحلى بالمسؤولية من حيث كون واجبه الأول هو حماية بلاده وضمان الرفاهية والاستقرار لمواطنيه. لقد اعتبر فيبر أن رجل الدولة لا بدّ أن يكتسي ثلاث خصال كبرى هي: الصبر والجلَد، والشعور بالمسؤولية، والحصافة والتروي، ومن دون هذه الصفات لا يمكنه تسيير الشؤون العامة.

في عالمنا العربي الإسلامي، هيمنت على نموذج القائد السياسي صورة «الزعيم المتهور» القادر على التضحية ببلاده وشعبه في معارك خاسرة. المهم هو أن يكون عنيداً، جامداً على الموقف، رافضاً لكل تسوية أو تنازل، مهما كلفه القرار. في أحد كتبه، أقر الصحفي المصري المعروف محمد حسنين هيكل أن جمال عبد الناصر كان يصدر في مواقفه السياسية عن عاطفة الشارع العربي إلى حدّ أنه أصبح أسيراً لهذه الصورة، مما أدى به إلى مواقف متهورة لم يكن بإمكانه الرجوع عنها خوفاً من تضرر الانطباع الجماهيري السائد عنه.

وقد تكرّر مثل هذا عدة مرات في الساحة العربية، إلى حدّ دمار دول مهمة ومؤثّرة في النظام العربي، وذلك تحت وطأة الأيديولوجيات الثورية والزعامات الحالمة المنفصمة عن الواقع. خلال أزمة لوكربي التي أدت إلى حصار قاسٍ على ليبيا، زار رئيسُ جنوب أفريقيا أوانها نلسون مانديلا القذافي ونصحه بقبول تسوية مع خصومه، ذاكراً له أن أهم خصال السياسي هي الواقعية والخروج من أنانية «الاعتزاز بالذات»، مستشهداً بتجربته الشخصية في النضال ضد التمييز العنصري، وكيف أنه قبل التعاونَ مع سجانيه ومسامحتهم من أجل مصلحة بلاده وعدالة قضيته، فحقق في النهاية ما كان يطلبه من نصر. إلا أن القذافي قرأ خطأً الانتفاضةَ الثورية ضد نظامه، واختار العنادَ طريقاً للمواجهة، فكان مصيره محتوماً.

والأمر يتكرر هذه المرة مع إيران، التي بدّدت رصيدَها الإقليمي بالعدوان على جوارها الخليجي والعربي، واختارت مسلكَ الانتحار مع تحويله إلى انتصار وهمي. في المجتمعات الحديثة، التي تتسم ضرورةً بالتنوع واختلاف المثُل والأفكار والمصالح، كما في النظام الدولي الذي يتسم بالصفات ذاتها، لا محيدَ عن التسويات التوفيقية، فهي البديل، كما يقول الفيلسوف بول ريكور، عن العنف الذي يَنتج عن محاولة فرض الرأي الفردي على الآخرين. وفي الأنظمة التسلطية الأحادية، كما هو شأن النظام الإيراني، الطريقة الوحيدة لإدارة الاختلاف الداخلي هي القمع والإلغاء، والمسلك الوحيدُ لإدارة العلاقات الدولية هو التعصب ورفض الآخر.

لقد جرّب النظام الإيراني هذه المقاربة في الساحات العربية التي اخترقها عنوةً، مثل العراق وسوريا ولبنان، فكان الدمار والعنف بدلاً من التسويات والتوافقات الواقعية. ولم تتغير الصورة في الحرب الأخيرة، التي قضت على مقومات العيش في البلاد. لقد اختارت الإمارات ودول الخليج العربية الأخرى مسلكَ أخلاق المسؤولية، فرفضت الانجراف في العنف والمواجهة العسكرية، رغم ما تعرضت له من عدوان سافر، ورغم كونها حاولت بكل السبل تجنيب إيران فظائع الحرب والصراع المسلح. وبهذه السياسة الحكيمة، حافظت عن الاستقرار والسِّلم والأمن لمواطنيها والمقيمين على أراضيها، وهذا هو التعبير الموضوعي عن أخلاق المسؤولية التي يجب أن تطبع سلوك رجل الدولة.

*أكاديمي موريتاني
 



إقرأ المزيد