بيان الإمارات.. وإعادة ضبط التوازنات
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

جاءت موافقة الرئيس الأميركي ترامب على وقف إطلاق النار المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران لمدة أسبوعين، لتطرح أكثر من سؤال، لاسيما بعد الموافقة الإيرانية المبهمة. فتفاهم وقف إطلاق النار يبدو غير مكتمل المعالم، عدا عن كونه لا ينبع من نوايا صادقة، وتغلب عليه الضبابية، وتغيب عنه الشفافية الكافية التي تتيح للدول المعنية بالحرب والمتأثرة بويلاتها، استيعابَ أبعاده الحقيقية والوثوق بمآلاته، لاسيما وأن موقف باكستان المعنية بتحقيق هذا التوافق، بحسب ما يراد لنا أن نصدق، زاد من غموض الحالة وترتيبات التوافق.
وسط هذا المشهد غير الواضح، برز بيان وزارة الخارجية الإماراتية كوثيقة سياسية وإعلامية عالية الدقة، هدفت إلى وضع النقاط على الحروف، وإعادة ضبط بوصلة النقاش من عموميات المواقف إلى جوهر القضايا، ومن تسوية المواقف إلى معالجة الأزمات.. إذ لم يكتفِ البيان بالترحيب الحذر أو المتابعة الشكلية، بل قدّم مقاربةً جادةً قائمةً على اشتراطات واضحة، في مقدمتها ضرورة الحصول على استيضاحات تفصيلية حول طبيعة التوافق وبنود الاتفاق، بما يضمن التزام إيران، كطرف معتدي، التزاماً كاملاً وشاملاً بوقف فوري لكافة أعمالها وأنشطتها العدائية واعتداءاتها العسكرية الآثمة، إضافة إلى ضرورة إعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل وغير مشروط، وإعادته إلى وضعه السابق.اكتسب البيان الإماراتي قوتَه من اعتماده على معطيات ميدانية صلبة، حين أشار إلى حجم الاعتداءات الإيرانية خلال أربعين يوماً الماضية، والتي شملت إطلاق آلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة، وما خلّفته من خسائر بشرية ومادية، ومن تأثيرات اقتصادية وتخريب للمنشآت المدنية والحيوية في دول الخليج العربية. وقد جاء البيان ليحسم العديدَ من القضايا الرئيسية، وليس لتقديم عرض رقمي، أو لتوصيف شكلي للاعتداءات الإيرانية، بل لتأسيس موقف قانوني وسياسي يكون أساساً لقضايا المساءلة والمحاسبة، والتعويض عن كل ما تسببت فيه الاعتداءات الإيرانية، وبما يتماشى مع مقتضيات القوانين والمواثيق الدولية، ويتسق مع قواعد القانون الدولي التي تفرض على الدولة المعتدية تحمّل جميع تبعات أفعالها واعتداءاتها.
ومن الأبعاد المهمة في البيان الإماراتي تَجاوُزُه فكرةَ «التهدئة المؤقتة»، إلى التأكيد على أن أي معالجة حقيقية للأزمة يجب أن تكون شاملة وغير انتقائية، بحيث تشمل القدرات النووية، والبرامج الصاروخية، والطائرات المسيّرة، إضافة إلى الأذرع المسلحة في المنطقة. إن هذه الرؤية تعكس فهماً إماراتياً عميقاً لطبيعة التهديدات الإيرانية، باعتبارها منظومةً فكرية وعملياتية متكاملة، لا يمكن تفكيكها عبر حلول جزئية أو اتفاقات مرحلية، وبالطبع لا يمكن الوثوق بها بعد كل تلك الاعتداءات غير المبررة.
 كما منح البيانُ أهميةً استراتيجيةً لمسألة حرية الملاحة في مضيق هرمز، بوصفها ركيزةً أساسية للاستقرار الاقتصادي العالمي، رافضاً بشكل واضح إخضاع هذا الممر الحيوي لأي شكل من أشكال السيطرة أو التهديد، أو القبول بأي ممارسات من قبيل القرصنة وإرهاب الدولة. وهنا يتفرد الموقف الإماراتي باستناده على مبادئ راسخة في القانون الدولي البحري، التي تؤكد على حياد الممرات المائية الدولية وضرورة تأمينها.ومن زاوية أخرى، حرصت دولة الإمارات على تأكيد موقعها كطرف غير منخرط في النزاع، مع إبراز دورها الدبلوماسي النشط في محاولة احتواء الأزمة ومنع انزلاقها نحو مواجهة عسكرية أوسع، سواء عبر القنوات الثنائية أو من خلال العمل الخليجي المشترك، فضلاً عن التزام الحياد العملياتي والحضور الدبلوماسي الفاعل. كما أن الإشارة إلى قرار مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة رقم 2817، يضيف بعداً قانونياً دولياً مهماً للبيان، حيث يرسّخ مرجعيتَه الدولية، ويؤكد ضرورةَ أن يكون وقف إطلاق النار متسقاً مع قرارات الأمم المتحدة وملزِماً لجميع الأطراف.
وختاماً، يمكن القول، إن البيان الإماراتي لا يكتفي بتوصيف الواقع، بل يقدّم نموذجاً معيارياً متكاملاً لكيفية التعاطي مع مسألة وقف إطلاق النار: من حيث الشفافية، والشمول، والالتزام، وربط التهدئة بالمساءلة، وضمان أمن الممرات الحيوية، ومراعاة مصالح الدول المتأثرة. وفي ظل تفاهمات لا تزال غامضة المعالم، يبدو هذا الطرح أقرب إلى خريطة طريق حقيقية نحو استقرار مستدام، لا مجرد هدنة مؤقتة قابلة للانهيار.


*كاتبة إماراتية



إقرأ المزيد