جريدة الإتحاد - 4/13/2026 12:23:27 AM - GMT (+4 )
في إحدى الفعاليات الدولية جابت شخصيات كبار المسؤولين من وزراء ومديري دوائر في قاعة يقفون فيها وقفة محارب لاحتساء كوب من القهوة قبل بداية الجلسات المجدولة. التقيت بإحدى الصديقات وقد شقّت مستقبلها بعملها الجاد وتفانيها، وقفتُ معها نستذكر آخر مرة التقينا فيها، ولم يكن ذلك الاستذكار بدافع العتاب، ولكن لقياس سرعة الزمن وجمال العطاء. على كتفي جاءت لمسة يد لسيدة وقفت ورائي، التفت إليها فتفاعلت مع تمثيليتها وسؤالها السطحي عن حالي والأهل ومن نحب من البشر. عرّفتها على صديقتي نورة التي اعتذرت قائلة: «سامحوني، لدي اجتماع»، رحلت وبقيتُ مع صاحبة لمسة الكتف، التي سرعان ما قالت لي: «معارفك وايدين، دكتورة هناك يقف فلان وأنا متأكدة أنك تعرفينه، ممكن تعرفيني عليه وتمدحيني عنده»، في تلك اللحظة جاءت الرحمة الإلهية عندما رنّ هاتفي فقلت لها: «أكيد وبكل سرور، لدي مكالمة خاصة وسأعود بعد قليل»، كان الاتصال من صديقتي نورة التي قالت: «شعرت بأن الوضع يتطلب تدخلاً مباشراً مني» فقلت لها: «يالجنية، كيف عرفتِ أني متوّحلة؟» فردّت بثقتها المعهودة: «نحن بنات فريج واحد «نفهمها وهي طايرة» وتلك السيدة يبدو من «العنزروت» اللي تتلصق به أن لها في الناس مآرب».
جلست في زاوية حادة، وصرت أفكر في مرض العظمة وكيف يريد منك البعض عملقتهم، وهذا يعني واحداً من أمرين وربما كلاهما: الأمر الأول مقدرتي على التملق والكذب والغش، والأمر الآخر العملقة وإقناع الآخرين بخلاف ما تراه أعينهم وما تمليه عقولهم وأذهانهم.
صاحبة الكتف لا تدرك أن أهلنا الأوّلين الذين تعلّموا القراءة والكتابة بفضل الله ومن ثم المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، في سبعينيات القرن المنصرم علّمونا أن «الكذب خيبة»، لم يكونوا فلاسفة، ولكن فلسفة الحياة وحكمتها وأحكامها كانت جزءاً لا يتجزأ من تركيبتهم الجينية.
ندرك جميعنا أن بعد انحسار الشوق وزوال مرحلة «اليديد حبه شديد» أن ما تركناه أو زهلناه أو ضاع منا أو تخاصمنا معه فهجرناه لم يكن في أي حالٍ من الأحوال غالياً، بل نحن عملقناه وبالغنا في تقدير قيمته. إرضاء الآخرين ليس آخر همّنا، فالفرص تتكرر بأشكالٍ وأنماطٍ مختلفة وتأتي في أوقاتٍ لا نعلم غيبها.
عيشوا على طبيعتكم واعملوا بجدٍ وإخلاص وتذكروا قوله جل وعلا: «وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ». عندها لا تحتاجون إلى مديح!
إقرأ المزيد


