جريدة الإتحاد - 4/13/2026 12:23:34 AM - GMT (+4 )
الزائر لطنجة عليه أن يبدأ نهاره بزيارة «قصبة طنجة» ذات الأبواب الأربعة والتي تعود إلى القرن السابع عشر، وهي ذات إطلالة رائعة على المدينة والمحيط، وأسوار القلعة والمدافع القديمة التي كانت تحرس المدينة، حيث هناك مبنى ملاصق لسور القلعة القديمة لا يمكن للعين أن تخطئه، هو «برج النعام» الذي يعد فضاء عرض ذاكرة الرحالة «ابن بطوطة» ومتحفه، كان في بدايته مكاناً لتربية النعام في عهد أحد الباشوات، ومنها جاء اسمه، وغلب عليه، رغم أنه حمل مسميات مختلفة مثل «برج بن دهمان» و«دار فروجان»، كان مركزاً للحراسة ثم مأوى لدور الأيتام واستخدمه الجنود قبل أن يتحول على يد المؤرخ المغربي «عبد الهادي التازي» إلى متحف يضم تاريخ الرحالة «ابن بطوطة» والذي ستجد تمثاله واقفاً في استقبال الزوار، وعشاق سماع حكايات التاريخ والأسفار البعيدة التي بدأت قبل 700 عام، حين خطى ذاك الشاب الطنجي نحو شغف المعرفة والترحال واكتساب العلم.
نزولاً من هذا المتحف ستمر بأشياء جميلة وقديمة، ستتوقف عند حكايات لأمكنة وزوايا للعلماء، وأسماء الفقهاء على الأزقة الضيقة، هناك دكان صغير لبيع خلطات القهوة، اسمه «بورتوريكو» هذه اللافتة احتلت مرة الصفحة الرئيسية لصحيفة أميركية، يديرها أخوان توأمان لا تفرق بينهما «إبراهيم وإسماعيل» مثلما لا يفرّق بينهما جل الزبائن، وهما يدركان ذلك ويسايران الزبائن مكملاً الواحد الآخر!
عليك، وأنت تصعد الأزقة المتفرعة، أن تتذكر الأمكنة وتثبتها بعلامات، وإلا فسيصعب عليك الخروج، لا تفوّت أن تزور جامع مولاي إسماعيل الذي بني قبل أربعمئة سنة، وطريقة هندسته المغاربية المميزة، ومقابلة إمامه الشريف القرشي الهاشمي الذي يقول إن أصوله تعود إلى مكة، وتمضي بعض الوقت لحديثه المسلي، وتصلي ركعتين تحية للمسجد.
ستأخذك بعدها تلك الأزقة التي ستضيق أكثر إلى نافورة جميلة مصنوعة من الزليج المغربي بألوانها المدهشة والفرحة، وإلى مقهى في أعلى ربوة القصبة يمنحك مشاهدة بانورامية للمدينة، ومظاهر للتسامح الثقافي والتعايش السلمي بين المسجد والكنيسة و«السينيغوغ» اليهودي في هذه المدينة المتفردة بخصوصيّتها.
إن أوشكت على الضياع فقط اسأل أي طفل أو اقصد عابراً أو شيخاً متكئاً على عصاه، أو جالساً أمام باب داره: أين قبر ابن بطوطة؟ حينها سيتبرعون بالوصف الدقيق أو يمكن أن يرافقوك أو أن الصبية سيركضون أمامك باتجاه قبر على مرتفع، وغير بعيد عن شارع زقاق ضيق يحمل اسم «ابن خلدون» الذي عاش فترة من حياته مع ابن بطوطة في بلاط السلطان المريني، وقبل أن تحدث بينهما حدة النقاشات والخلافات شأن كل العلماء والمفكرين وغيرة المشاهير.
في ذلك المرقد الأبيض، عليك أن تقرع الباب الخشبي المزين حتى يفتح لك حارس القبر «سي المختار»، ولا تفكر في أن تمد يدك للسلام عليه إن لم يفعل هو ذلك؛ لأنه أعمى، لكنه بشوش يرحب بالزائرين، ويعطيهم مما خزنته ذاكرته عن ابن بطوطة، يقول: إن هذا المكان كان جزءاً من بيت عائلة أسرة الرحالة، فأبوه رجل علم وصيت، وكذلك أمه التي تدعى فاطمة، وغلب عليه لقب ابن بطوطة تصغيراً لمسمى والدته، ومع تعاقب الوقت ظلوا يقتطعون من هذا البيت الكبير حتى بقي هذا الجزء الصغير الذي يضم قبر ابن بطوطة، والمنبر.
لقد عادت بي الذاكرة رغم ما تغير عليّ بين الزيارتين السابقة والحاضرة، خاصة أن بينهما عشر سنوات من الغياب، وحضوري اليوم من أجل الاحتفاء بمرور 700 عام من ذاك الترحال نحو آفاق العالم.
إقرأ المزيد


