لبنان بين الدور العربي والنظام الإيراني
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في قلب مشهد إقليمي متفجر، وبعد أن انزلق لبنان ليصبح ساحة متقدمة ومتشابكة مع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران؛ نتيجة تغليب «حزب الله» اعتبارات الارتباط بالنظام الإيراني على حساب التكلفة التي تدفعها الدولة اللبنانية؛ يبرز سؤال لا يحتمل التأجيل: من يملك قرار التهدئة اليوم، ولمصلحة من تُدار محاولات وقف هذه الحرب؟
نسير مع القارئ الكريم في تفكيك هذا المشهد؛ بالانطلاق من حقيقة لا ينبغي الالتفاف عليها: لا يتوهمنّ أحد أن الاستماتة التي يبديها النظام الإيراني لوقف الحرب الإسرائيلية على لبنان تنبع من حرصٍ على لبنان، أو شعبه؛ فقراءة سلوك هذا النظام في أزمات المنطقة تكشف بوضوح أن تحركاته محكومة باعتبارات النفوذ، وإدارة التوازنات، لا بمفاهيم حماية الدول، أو صون سيادتها.
وفي هذا السياق تبدو دعوات وقف التصعيد جزءاً من محاولةٍ أوسع لإعادة ترميم صورة «محور المقاومة»، وتقديمه مجدداً بصفته فاعلاً مركزيّاً يؤثر في مجريات الأحداث؛ وهنا تتحول الساحة اللبنانية إلى منصة لإعادة إنتاج هذا الخطاب؛ غير أن التناقض يبرز بوضوح بين الخطاب والممارسة؛ إذ لا يمكن فصل الحديث بشأن التهدئة عن السياق الذي دفع لبنان أساساً إلى قلب هذه المواجهة؛ فدخول لبنان في هذا المسار جاء ضمن معادلة فرضتها شبكة من التحالفات والأدوات التي ربطت الداخل اللبناني بصراعات إقليمية أوسع.
ومن هنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل يمكن فعلاً أن يؤدي هذا المسار إلى إنهاء الحرب بما يخدم مصلحة لبنان، أم أننا أمام محاولة لإدارة نهاية الصراع بطريقة تُعاد صياغتها بصفتها إنجازاً سياسياً؟
الإجابة، في جانب كبير منها، تتوقف على طبيعة الحضور العربي في هذه اللحظة؛ فغياب دور عربي فاعل يترك المجال مفتوحاً أمام أطراف أخرى لاحتكار المشهد، والتحكم في مخرجاته، وتوجيه نتائجه بما يتناسب مع أولوياتها الاستراتيجية. وفي المقابل فإن تحركاً سياسياً منظماً من الدول المعنية يمكن أن يعيد التوازن، ويمنع انزلاق النتائج نحو مسارات أحادية؛ ولهذا يصبح من الضروري ممارسة ضغوط حقيقية على الولايات المتحدة؛ بما يدفعها إلى إلزام إسرائيل بوقف عملياتها العسكرية على لبنان، ضمن إطار واضح يضمن إنهاء التصعيد، من دون أن يتحول إلى مادة للاستثمار السياسي من أي طرف.
التحدي لا يتوقف عند حدود وقف العمليات العسكرية، بل يمتد إلى ما بعد ذلك؛ لحظة تفسير ما جرى. وتشير التجارب السابقة إلى أن نهاية الحروب كثيراً ما تُستثمر في صناعة سرديات تُعيد تكريس النفوذ، وفي هذا السياق فإن وقف الحرب من دون تدخل عربي قوي سيمنح النظام الإيراني هذه الفرصة.
وهنا تبدأ مرحلة الترويج؛ فتنطلق الأبواق المغرر بها للتهليل لهذا «الإنجاز»، ويتبعها من يقرؤون المشهد بسطحية، أو يختارون تجاهل تعقيداته؛ فيُسهمون -عن قصد أو غير قصد- في تثبيت رواية لا تعكس حقيقة ما جرى. والأخطر من ذلك أن بعض هؤلاء يدركون تماماً طبيعة هذه الأدوار، ولكنهم يفضلون الانحياز إليها، بما يخدم استمرار هذه المعادلة.
إن هذه اللحظة تفرض قراءة مختلفة، قراءة تعيد ربط النتائج بأسبابها؛ فلبنان لم يكن في قلب هذه الحرب لولا سياسات وأدوار جعلت من ساحته امتداداً لصراعات الآخرين؛ ومن دون الاعتراف بهذه الحقيقة ستظل كل محاولة للتهدئة ناقصة، وكل حديث عن «إنجاز» قابلاً للتفكيك عند أول اختبار.
المعادلة اليوم واضحة.. إما أن يُعاد الاعتبار لمفهوم الدولة، وأن يُفصل لبنان عن حسابات الصراعات الإقليمية، وإما أن يستمر مساحةً مفتوحةً ومستباحةً من قبل «حزب الله» لخدمة مصالح النظام الإيراني. وبين هذين الخيارين تتحدد، ليس نهاية هذه الحرب فقط، بل شكل المرحلة المقبلة بأكملها.
وقف الحرب هدفٌ ملحّ، ولكن يجب أن يُرافقه وعي سياسي يمنع استغلال نتائجه؛ ويُغلق الباب أمام إعادة تدوير الأزمة بصيغ جديدة؛ فالمعركة، في جوهرها، لم تعد على الأرض فقط؛ بل على الوعي، وعلى من يملك القدرة على صياغة السردية، فلا تسمحوا لهذا بأن يحدث.
*مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.



إقرأ المزيد