الإمارات اليوم - 4/13/2026 1:26:49 AM - GMT (+4 )
رافقت «الإمارات اليوم» سبعة طلاب من مراحل دراسية مختلفة بمدارس خاصة، لرصد تفاصيل يوم دراسي كامل في منظومة التعلم عن بُعد التي فرضتها أنماط التعليم الحديثة.
وبين اختلاف البيئات المنزلية، والوجوه، والمواد الدراسية، ظل المشهد واحداً في كل منزل: شاشة مضاءة، وحصص افتراضية متتابعة، وتفاعل تعليمي متواصل عبر النوافذ الرقمية.
وتفصيلاً، كشف طلاب من مراحل دراسية مختلفة كيف تُدار حياتهم التعليمية خلف الشاشات، في يوم دراسي كامل رافقتهم خلاله «الإمارات اليوم» لرصد تجربة التعلم عن بُعد، حيث لم يعد اليوم يبدأ بقرع الجرس، وينتهي عند بوابة المدرسة، بل صار يمتد عبر ساعات متواصلة ينتقل خلالها الطالب بين الحصص داخل منزل، تحوّل منذ الصباح إلى فصل دراسي مفتوح.
وفي منزل الطالبة بالصف الثاني، دارين هاني، تبدو الحصة أكثر هدوءاً وتركيزاً، حيث تجلس إلى طاولة صغيرة في ركن من غرفة المعيشة، تحيط بها كتبها وأقلامها.
ومع بدء حصة الرياضيات، تتابع الشرح بعينين مركزتين وترفع يدها أمام الكاميرا عند الحاجة، بينما تساعدها والدتها في تثبيت الجهاز وفتح الأنشطة. وتقول دارين: «أحب عندما تطلب مني المعلمة الإجابة، أشعر كأنني في الصف تماماً».
وتوضح أن التحدي الأكبر هو الجلوس طويلاً أمام الشاشة، ما يسبب لها الملل والرغبة في الحركة، لذا تحرص والدتها على منحها فترات قصيرة بين الحصص، مع مكافآت بسيطة تعزز التزامها وتركيزها خلال اليوم الدراسي.
وفي زاوية من منزلها تجلس الطالبة بالصف الرابع، ليان السويدي، إلى طاولة الطعام التي تحولت إلى مساحة تعليمية يومية، تردد الكلمات الإنجليزية خلف المعلمة، مستعينة ببطاقات مصورة وأغنيات تعليمية.
وتقول إنها تفضل الدروس التي تحتوي على صور وألعاب تفاعلية، لأنها تجعل الوقت أسرع وأكثر متعة، بينما تؤكد والدتها أن المحافظة على تركيز الأطفال في هذا العمر تتطلب حضوراً أسرياً دائماً ولو من بعيد.
في منزل الطالب بالصف السادس، سالم الشامسي، تبدأ الحصة الثانية بعد إنهاء الحصة الأولى، حيث ينتقل سريعاً إلى درس اللغة العربية، متأهباً أمام مكتبه الصغير بعد التأكد من جاهزية الكاميرا وسماعة الرأس.. يشارك في القراءة بصوت واضح، ثم يدوّن ملاحظاته في دفتره، قائلاً: «الانتقال المنظم بين الحصص يساعدني على التركيز، لأن أي تأخير يجعلني أفقد جزءاً من الشرح».
ويشير إلى أن أبرز تحدٍّ يواجهه هو الحفاظ على انتباهه مع تتابع الحصص، لذا يعتمد استراحات قصيرة بين الدروس يبتعد خلالها عن الشاشة لاستعادة تركيزه ومواصلة يومه الدراسي بانضباط أكبر.
أما الطالب بالصف السابع، عمران عبدالغفار، فيعيش تجربة مختلفة خلال حصة العلوم، حيث تتحول الشاشة أمامه إلى مختبر افتراضي يعرض تجربة تفاعلية حول التفاعلات الكيميائية.
ويؤكد أن مشاهدة التجربة بصرياً تجعله أكثر قدرة على الفهم مقارنة بالشرح النظري المجرد، لكنه يعترف بأن الإرهاق يبدأ بالتسلل تدريجياً مع تقدم ساعات اليوم، خصوصاً في الحصص التي تتطلب متابعة ذهنية مكثفة.
وفي منزل آخر، تتابع الطالبة بالصف الثامن، شهد هاني، حصة الرياضيات، بعينين لا تغادران الشاشة، فيما تسجل بخط متسارع خطوات الحل التي يعرضها المعلم على السبورة الرقمية.
وتوضح أن الرياضيات من أكثر المواد التي تحتاج إلى تركيز متواصل، لأن فقدان خطوة واحدة قد يربك فهم المسألة كاملة. وبينما تتلقى تغذية راجعة فورية عبر المنصة، تتابع والدتها المشهد من بعيد، مكتفية بتوفير الهدوء اللازم دون تدخل مباشر.
في منزل الطالبة بالصف الـ12، قسمة الله شريف، تمضي الحصة الرابعة وسط تركيز مكثف، وهي تتابع شرح الفيزياء عبر جهازها المحمول، محاطة بكتبها وأوراق مراجعتها في عام دراسي حاسم.
وتحرص منذ بداية الحصة على تدوين الملاحظات بدقة ومتابعة الشرح خطوة بخطوة، إدراكاً لأهمية كل تفصيل في عامها الأخير.
وتقول: «الصف الـ12 يحتاج إلى تركيز دائم، لأن أي معلومة صغيرة قد تصنع فرقاً كبيراً في النتيجة النهائية».
وتشير إلى أن أبرز تحدٍّ يواجهها هو الموازنة بين الحصص المباشرة والاستعداد للاختبارات، لذا تعتمد خطة يومية لتنظيم وقت الدراسة والمراجعة، مع تخصيص وقت ثابت بعد الدروس لتلخيص المواد، بما يساعدها على تجنب تراكم الدروس والحفاظ على جاهزيتها الأكاديمية.
ومع اقتراب نهاية اليوم، يبدأ الطالب بالصف الـ10، عبدالله شريف، آخر حصصه في الدراسات الاجتماعية، حيث يتابع عرضاً رقمياً عن الخرائط، ويشارك في نقاش جماعي قبل أن يرفع واجبه الإلكتروني عبر المنصة.
ويشير إلى أن الحصص الأخيرة هي الأصعب، لأن التركيز يكون قد استُهلك تدريجياً، ما يجعل مراجعة الدروس مساءً ضرورة لتعويض ما قد يفوته أثناء الإرهاق الذهني.
وفي وقفة مع المعلمين حول إدارة الصفوف الرقمية وقياس تفاعل الطلبة وضبط الانتباه، تؤكد معلمة اللغة العربية إلهام بكري الدويك، أن تقييم التفاعل لم يقتصر على تسجيل الحضور، بل يعتمد على رصد المشاركة الصوتية، وسرعة الاستجابة، ومستوى التفاعل في المحادثة النصية، ويعد التمييز بين الطالب الحاضر شكلياً والغائب ذهنياً، أبرز تحديات المعلمين، إذ إن الشاشة تحجب إشارات الصف التقليدي.
وترى معلمة العلوم، أسماء عمار، أن التفاعل الحقيقي يظهر في النقاشات التطبيقية والتجارب الافتراضية، حيث يُقاس بقدرة الطالب على التحليل وربط النتائج بالمفاهيم العلمية.
وتؤكد أن أبرز التحديات يتمثل في نقل خبرة المختبر العملي إلى البيئة الرقمية، إذ إن بعض المفاهيم العلمية تحتاج إلى تجربة حسية مباشرة يصعب تعويضها عبر الشاشة.
وذكرت معلمة اللغة الإنجليزية، حنان شرف، أن التعلم عن بُعد أسهم في تعزيز مهارات الاستماع والتحدث لدى الطلبة من خلال التفاعل المستمر عبر المنصات الرقمية، لكنه في المقابل يتطلب جهداً أكبر من المعلم للحفاظ على تفاعل الطلاب وتحفيزهم، لذلك يستند المعلم إلى تنويع أساليب الشرح واستخدام أنشطة تفاعلية قصيرة لضمان مشاركة الجميع.
وأفادت معلمة الرياضيات، هديان محمد، بأن أدوات التقييم اللحظي، مثل الاختبارات السريعة والسبورات التفاعلية، تساعد على قياس الفهم، لكنها لا تعكس دائماً عمق الاستيعاب الحقيقي، خصوصاً مع اعتماد بعض الطلبة على مصادر مساعدة خارجية أثناء الحل.
وتضيف أن أبرز التحديات تتمثل في تفاوت مستويات الفهم بين الطلبة داخل الحصة الواحدة، وصعوبة إعادة الشرح بشكل فردي في بيئة افتراضية محدودة الوقت.
أوصت المستشارة الأسرية والتربوية، أميمة حسين، بضرورة إدراج فواصل زمنية قصيرة ومنتظمة بين حصص التعلم عن بُعد، بحيث لا تتجاوز مدتها 20 إلى 30 دقيقة، لما لها من دور في تقليل الضغط الذهني وتحسين جودة التركيز لدى الطلبة.
وأوضحت أن التتابع المستمر للحصص دون فترات راحة كافية يؤدي إلى إجهاد معرفي وتراجع تدريجي في مستوى الانتباه، خصوصاً لدى الطلبة الأصغر سناً، مشيرة إلى أن الدماغ يحتاج إلى فترات «إعادة ضبط» قصيرة ليستعيد قدرته على الاستيعاب والتفاعل.
وأضافت أن هذه الفواصل ينبغي ألا تقتصر على الابتعاد عن الشاشة فقط، بل يُفضل أن تتضمن أنشطة خفيفة مثل الحركة أو التمدد أو تغيير المكان داخل المنزل، بما يساعد على تنشيط الدورة الدموية وتحفيز الانتباه من جديد.
وشددت على أهمية دور الأسرة في تنظيم هذا الإيقاع اليومي، من خلال ضبط مواعيد الاستراحة، وتقليل المشتتات خلال فترات الدراسة، ومتابعة التزام الأبناء نمطاً متوازناً يجمع بين التعلم والراحة، مؤكدة أن «التوازن بين الحصص والراحة هو المفتاح الحقيقي لاستمرارية التركيز وجودة التعلم عن بُعد».
تركيز مستمر
يمتد اليوم الدراسي في منظومة التعلم عن بُعد عبر حصص متتابعة تستغرق ساعات عدة يومياً، تختلف مدتها بحسب المرحلة الدراسية وعدد المواد، ما يضع الحفاظ على التركيز والانضباط الزمني أمام تحدٍّ يومي للطلبة والأسر.
وفي الصفوف العليا، يصل اليوم الدراسي إلى نحو خمس ساعات تقريباً من الحصص المتتالية عبر الشاشات، ما يتطلب جهداً مستمراً للحفاظ على مستوى التركيز حتى نهاية اليوم.
إقرأ المزيد


