الإمارات وقوة الهوية والبناء
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

الدول، كما البشر، تظهر معادنها وهويتها ورسوخ قامتها في أوقات الشدائد والأزمات، لتكشف الحقائق والجوهر من القوة والصلابة، والإرادة والإدارة، والكفاءة المؤسساتية، ومدى عمق علاقة الشعب بالقيادة، ومستوى الترابط المجتمعي. وقد اعتادت المنطقة والعالم، في السنوات الأخيرة، الحروب والأزمات والتحديات، بمختلف صنوفها وأنواعها. وفي جميعها، ظهرت دولة الإمارات قادرة على الاستجابة الفاعلة للتحديات، ومعالجة الأزمات بحكمة واستعداد تامَّين للمستقبل، من خلال استشراف علمي، وتخطيط استراتيجي دقيق.
لقد تعاملت الإمارات مع الاعتداءات الإيرانية الآثمة وغير المبررة على بناها التحتية ومنشآتها الحيوية بحزم دفاعي وعسكري، ودبلوماسية نشطة، ومرونة اقتصادية، لحماية السيادة الوطنية ومكتسبات الشعب الإماراتي، ونجحت في التصدي بكفاءة للاعتداءات المتواصلة التي شنها النظام الإيراني بالمسيّرات والصواريخ الباليستية، واعتراض الهجمات قبل وصولها، بما بعث برسالة قوية تعكس جاهزية خطط إدارة الأزمات، وتضمن استمرار الحياة والنشاط الاقتصادي، ما جعل الحرب بمنزلة تحدٍّ انتصرت فيه الإمارات.
إن دولة الإمارات، برؤية استباقية، ترسخ نموذجها على التكامل بين الفِرق لتعزيز جاهزية مؤسسات الدولة كافة، لكل مرحلة. ومع التحديات الإقليمية والعالمية المتصاعدة، فإنها تطور أدواتها المختلفة لتحقيق الأثر الإيجابي في حياة المجتمع والناس، مهما تكن الأزمات والعواقب، غير معتمدة على الفوائض المالية فقط، بل بنظرة مستقبلية على التنمية المستدامة، وجودة حياة المجتمع والاستثمار في المستقبل، والمشاركة في التنمية العالمية من خلال مشروعات تنموية تجوب العالم.
لقد أدركت القيادة الرشيدة في دولة الإمارات، منذ زمن بعيد، أن بناء الدولة لا يقوم على الموارد فقط، فالإنسان محورها، والعقول جوهرها. ولذا، فإنها تستثمر في بناء الإنسان القادر على التفاعل مع تحديات التنمية، والتحولات العالمية والأزمات الإقليمية، بالاستثمار في التعليم والمعرفة والمؤسسات الاجتماعية. ولذلك، كان من الطبيعي، عند الحرب، أن نشهد بنية مؤسسية متماسكة، ومجتمعاً واعياً بحقيقة ما يحدث، والفصل بين الحقيقة والبروباجندا، والتفاعل مع المتغيرات باتزان.
إن ما يميز النموذج الإماراتي أنه يمتلك سمات المؤسساتية والتخطيط، ففي حالات الأزمات، تعمل المؤسسات عبر منظومة مرنة قادرة على التعامل مع السيناريوهات المختلفة. ولهذا، يحاول البعض دراسة النموذج الإماراتي لتقليده، في عالم خَبِرته الإمارات مسبقاً بأن القوة فقط ليست كافية، حيث الارتكاز الأساسي على تفكير وتخطيط استراتيجي برؤية عقلانية. وقد أثبتت رؤية القيادة الرشيدة في تجارب متعددة، منذ جائحة كوفيد-19، وحتى الحرب الإيرانية، رسوخ القيم والمبادئ، والقدرة على التعامل مع التحديات، والحفاظ على المكتسبات، وقيادة سفينة الوطن بحكمة وثبات في أصعب الظروف.
لقد استثمرت الإمارات، على مدار العقود الماضية، في بناء منظومة دفاعية متطورة تحمي الشعب وتصون مكتسبات الوطن، ولهذا فقد أبلت بلاءً حسناً ضد الاعتداء الإيراني الغادر، وواصل الاقتصاد خطط التنمية، وإصلاح ما تسببت فيه الاعتداءات الإيرانية، دون التنازل عن تعويض كل الأضرار، وحق الرد وقتما تقرر القيادة الرشيدة. وفي قلب الأزمة، عالجت الدولة النشاط الاقتصادي بمرونة، وكانت مستعدة بما يكفي ويزيد للمتطلبات الأساسية لسكان الإمارات من المواطنين والمقيمين.
في عصر التوترات الجيوسياسية والأزمات الدولية، اختارت الإمارات تنويع الشراكات الدولية، وبناء شبكة علاقات متوازنة مع القوى الكبرى والإقليمية. وبالاستثمار في الإنسان، ترسخ التلاحم بين القيادة والشعب والمقيمين. وبالاستعداد الأمني والدفاعي، تمكنت مؤسسات الدولة من حماية سيادتها. وبالتخطيط والاستعداد والجاهزية، أضحى التعامل مع الأزمات والتعافي منها مساراً طبيعياً. وبالقوة الاقتصادية، تستثمر الدولة في المستقبل للإمارات والعالم، لتتكامل الرؤية في نموذج مرن مزدهر غير قابل للكسر أو الهزيمة، وإنما عبور اللحظات الأليمة، والعودة من جديد للازدهار والتنمية في الإمارات وحول العالم.
*الرئيس التنفيذي لمجموعة تريندز



إقرأ المزيد