جريدة الإتحاد - 4/19/2026 11:35:09 PM - GMT (+4 )
في الأزمات الكبرى، لا تُقاس الدول بحجم ما تواجهه من تهديدات، بل بقدرتها على مواجهتها وتحويلها إلى فرص لإثبات الكفاءة والجاهزية. وهنا تحديداً، تتجلى تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة كنموذج استثنائي، ليس فقط في إدارة الأزمات، بل في إعادة تعريف مفهوم الدولة الحديثة القادرة على حماية سيادتها وشعبها، وتعزيز أمنها واستقرارها ونهضتها.. مهما اشتدت التحديات. ففي خِضَم التوترات التي مرت بها المنطقة مؤخراً، من تصعيد خطير تمثّل في الاعتداءات الإيرانية التي استهدفت دولَ الخليج العربية، وجدت المنطقة ككل نفسَها أمام اختبار حقيقي.
وفي هذا الخِضَم برزت كفاءة الأجهزة الحكومية الإماراتية بشكل واضح لا لبس فيه. وكما نعلم، فلم تكن الإمارات مجرد طرف متأثّر، بل كانت في قلب الحدث، حيث تحمّلت النصيبَ الأكبر من تلك الاعتداءات، في محاولة واضحة لاستهداف الاستقرار وضرب النموذج التنموي الإماراتي المتقدم.
غير أن ما تحقق على أرض الواقع جاء مغايراً تماماً لما كان يُراد من وراء تلك الاعتداءات. ففي السماء، برزت الإمارات كقوة دفاعية متقدمة، حيث تمكنت من التصدي لمعظم التهديدات الجوية بكفاءة عالية، في مشهد يعكس جاهزيةً عسكريةً دقيقة ويُظهر قدرةً متقدمةً على التعامل مع أخطر أنماط الحروب الحديثة.
ولم يكن الأمر مجرد اعتراض صواريخ أو إسقاط طائرات مسيّرة، بل كان رسالة سيادية واضحة مفادها أن حماية الإنسان والبنية التحتية والمكتسبات الوطنية تُمثّل أولوية لا تقبل التهاون. وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال البُعد العسكري الذي شكّل أحد أهم مرتكزات القوة الإماراتية.
فقد أثبتت التجربة أن كفاءة إدارة الأزمة لم تكن وليدة اللحظة، بل نتيجة استثمار استراتيجي طويل الأمد في بناء منظومة دفاعية متطورة ضمن رؤية استراتيجية متقدمة عزّزت جاهزيتها العملياتية، ومكّنتها من التصدي الفعّال للهجمات، وصيانة أمنها الوطني بكفاءة عالية. أما على الأرض، فقد بدت الصورة أكثر عمقاً واتزاناً، إذ استمرت الحياة بشكل طبيعي، ولم تتعطل الخدمات، ولم يتأثر استقرار المجتمع. وهذا لم يكن نتيجة ظرف عابر، بل كان انعكاساً مباشراً لسنوات من العمل المؤسسي المنهجي، الذي قام على إنشاء بنية تحتية مرنة، ونظام حكومي قادر على العمل بكفاءة تحت مختلف الضغوط.
وهنا تتجلى قيمة النموذج الإماراتي، الذي لا يعتمد على رد الفعل، بل على الاستعداد المسبق والتخطيط الاستراتيجي بعيد المدى. وفي موازاة ذلك، برزت كفاءة الأجهزة الحكومية في إدارة الأزمة، ليس فقط على المستوى الميداني، بل أيضاً في إدارة الوعي العام، وحماية الانضباط ونشر الطمأنينية.
لقد ساهمت الشفافية وسرعة إيصال المعلومات في تعزيز الطمأنينة لدى المواطنين والمقيمين، وهو ما شكّل عنصرَ استقرار نفسي ومجتمعي لا يقلّ أهمية عن منظومات الدفاع الجوي، كما أسهم في ترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع.
ولعل ما ميّز التجربة الإماراتية خلال هذه الأزمة هو تكامل عناصرها، فالأمن في السماء، والاستقرار على الأرض، والوعي في المجتمع، والحضور الدولي الفاعل. وهذا التكامل هو ما مكّن الإمارات من احتواء الأزمة، وتحويلها إلى لحظة تأكيد جديدة على قدرتها القيادية في إدارة التحديات.
كما لم يقتصر الأداء الإماراتي على الداخل، بل امتد إلى الساحة العالمية، حيث فعّلت الدولةُ حضورَها في المحافل والمنابر الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، لتأكيد حقها في حماية سيادتها والدفاع عن أمنها، ورفض أي تهديد للاستقرار الإقليمي أو للممرات البحرية الحيوية.
وقد عكس هذا الحضورُ قدرةً متقدمةً على إدارة الأبعاد القانونية والدبلوماسية للأزمة، بما عزّز ويعزّز موقعَ الدولة في النظام الدولي. وبحسب تقييم موضوعي لمخرجات هذه الأزمة، فإن الإمارات لم تثبت فقط قدرتها على الصمود، بل أكدت كذلك أنها دولة تمتلك نموذجاً متقدماً في إدارة الأزمات، يقوم على الكفاءة، والجاهزية، والثقة، والاعتمادية. وفي عالم يتسم بتزايد الاضطرابات، تبرز مثل هذه التجارب بوصفها نماذج معيارية تُسهم في رسم ملامح المستقبل، وتؤكد أن الريادة الحقيقية تُبنى في أصعب اللحظات.
*كاتبة إماراتية
إقرأ المزيد


