جريدة الإتحاد - 4/20/2026 1:25:54 AM - GMT (+4 )
سامي عبد الرؤوف (أبوظبي)
كشف مجلس تنافسية الكوادر الإماراتية ارتفاع نسبة الخريجين المواطنين الذين يتجهون إلى القطاع الخاص من نحو 15% إلى قرابة 60%، في مؤشر واضح على تغير النظرة المجتمعية تجاه القطاع.
وأكد المجلس، في تصريحات لـ«الاتحاد»، أن هذا التحول لم يكن نتيجة الدعم المالي فقط، بل جاء نتيجة منظومة متكاملة عززت من جاذبية القطاع الخاص كمسار مهني مستدام، وليس خياراً ثانوياً كما كان في السابق.
أظهرت بيانات المجلس أن 11 ألف مواطن ومواطنة التحقوا بالعمل في القطاع الخاص منذ بداية العام الجاري، وحتى نهاية شهر مارس الماضي، فيما بلغ إجمالي المستفيدين من برامج الدعم المالي لـ«نافس» (2021-2026)، 150 ألف مواطن، وارتفعت نسبة زيادة دخل المواطنين المستفيدين من «نافس» بنسبة 50%.
وبلغ عدد الأبناء المشمولين بدعم علاوة الأبناء نحو 38 ألفاً، وعرضت منصة نافس الإلكترونية 90 ألف عمل بهدف توفير فرص وظيفية للمواطنين بالقطاع الخاص، بينما ارتفع عدد المشتركين الجدد في صناديق التقاعد بالقطاع الخاص من ألفي مواطن ومواطنة في عام 2021، إلى 82 ألف مشترك بنهاية 2025.
ويأتي قرار تمديد برنامج «نافس» حتى عام 2040 في سياق الرؤية الاستشرافية للقيادة الرشيدة، ليؤكد أن تمكين الكفاءات الوطنية في القطاع الخاص لم يعد هدفاً مرحلياً، بل خيار استراتيجي ممتد يرتبط ببناء اقتصاد أكثر مرونة واستدامة.
ورغم المتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية الراهنة، واصلت الدولة تطوير هذا التوجه من خلال الإعلان عن تمديد البرنامج حتى عام 2040، إلى جانب إطلاق حزم جديدة تشمل شرائح أوسع من المستفيدين، بما يعكس التزاماً مستمراً بدعم المواطنين وتعزيز استدامة سوق العمل الوطني.
ولا يمكن النظر إلى هذا التمديد بوصفه استمراراً زمنياً لبرنامج وطني ناجح فحسب، بل باعتباره مؤشراً على تحوّل أعمق يشهده سوق العمل، يتمثل في إعادة تشكيل العلاقة بين المواطن والقطاع الخاص، ضمن منظومة متكاملة تعيد تعريف مفاهيم الجاذبية والاستقرار المهني.
وخلال السنوات القليلة الماضية، أظهرت مؤشرات الأداء أن «نافس»، الذي تم إطلاقه في سبتمبر 2021 ضمن «مشاريع الخمسين»، لم يكتفِ بتوسيع فرص التوظيف، بل أسهم في إحداث تحول تدريجي في معادلة سوق العمل، حيث بات استقطاب الكفاءات الوطنية جزءاً من التوجهات الاستراتيجية للعديد من مؤسسات القطاع الخاص، بما يعكس انتقال السوق من مرحلة إتاحة الفرص إلى مرحلة تعظيم القيمة، إذ أصبح المواطن شريكاً فاعلاً في دورة الإنتاج والنمو، وليس مجرد مستفيد من سياسات التوظيف.
وتكتسب هذه المؤشرات وزناً أكبر بالنظر إلى الإنجازات التي حققها البرنامج منذ إطلاقه، إذ تجاوز عدد المواطنين العاملين في القطاع الخاص 176 ألف مواطن، منهم أكثر من 152 ألف مستفيد ضمن نحو 32 ألف منشأة حتى نهاية مارس 2026، فيما تحقق المستهدف قبل موعده المحدد، في مؤشر لا يعكس فقط اتساع قاعدة التوظيف، بل اتساع حضور المواطن داخل النسيج الاقتصادي للقطاع الخاص.
أثر نوعي
ويحمل قرار التمديد دلالات تتجاوز البعد الزمني، إذ يعكس انتقال الدولة من مرحلة تحقيق المستهدفات الكمية إلى مرحلة أعمق تقوم على تعظيم الأثر النوعي، وتعزيز جودة مشاركة المواطنين في سوق العمل، في وقت تشهد فيه الأسواق تحولات متسارعة في طبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة.
وتشير القراءة المتأنية لتطورات البرنامج إلى أن أثره تجاوز مفهوم الدعم والتوظيف، ليمتد إلى إعادة تشكيل البيئة الاقتصادية المرتبطة بسوق العمل، من خلال منظومة متكاملة تشمل دعم الرواتب، والتأهيل، وتطوير المسارات المهنية، إلى جانب تعزيز الاستقرار الأسري.
وفي هذا الإطار، تبدو السياسات الجديدة، بما تتضمنه من تحديثات على برامج الدعم وربطها بمعايير واضحة، جزءاً من توجه أوسع نحو رفع كفاءة سوق العمل وتحسين جودة الفرص المتاحة للمواطنين، بما يعزز استمراريتهم وقدرتهم على التقدم المهني.
الانتقال للتمكين
لعل أبرز ما حققه «نافس» لا يقتصر على الأرقام، بل يمتد إلى إحداث تحول نوعي في ثقافة العمل لدى الشباب الإماراتي، حيث ارتفعت نسبة الخريجين الذين يتجهون إلى القطاع الخاص من نحو 15% إلى قرابة 60%، في مؤشر واضح على تغير النظرة المجتمعية تجاه هذا القطاع. هذا التحول لم يكن نتيجة الدعم المالي فقط، بل جاء نتيجة منظومة متكاملة عززت من جاذبية القطاع الخاص كمسار مهني مستدام، وليس خياراً ثانوياً كما كان في السابق.
ويمثل تمديد البرنامج عاملاً محورياً في ترسيخ هذا التحول، حيث يوفر إطاراً زمنياً طويلاً يمنح مختلف الأطراف، من مؤسسات وأفراد، وضوحاً أكبر في التخطيط واتخاذ القرار. كما يعزز هذا الأفق الزمني من استقرار السياسات المرتبطة بالتوطين، ويؤكد التوجه نحو بناء منظومة مستدامة لإعداد الكفاءات الوطنية، بما يتماشى مع متطلبات الاقتصاد المستقبلي.
ومع تحقيق البرنامج مستهدفاته في مرحلته الأولى، تتجه المرحلة المقبلة إلى التركيز على جودة التوطين، من خلال توجيه الجهود نحو الوظائف النوعية والقطاعات الحيوية، وتعزيز الارتباط بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق، حيث تؤكد التوجهات الجديدة أن المرحلة القادمة لن تقتصر على زيادة أعداد العاملين، بل ستعمل على رفع مستوى الكفاءة والإنتاجية، وبناء كوادر وطنية قادرة على المنافسة في قطاعات ذات قيمة مضافة.
معادلة الاستقرار
برزت التحديثات المرتبطة بالبعد الأسري كأحد المكونات الأساسية في تطوير البرنامج، حيث تضمنت حزمة من المبادرات التي تعزز الاستقرار الاجتماعي للمواطنين العاملين في القطاع الخاص، بما ينعكس إيجاباً على أدائهم واستمراريتهم. ويؤكد هذا التوجه أن دعم الأسرة لم يعد إطاراً موازياً، بل أصبح جزءاً من معادلة الاستقرار الاقتصادي، في انسجام مع رؤية شاملة تضع الإنسان في صميم التنمية.
استدامة
يعكس تطور «نافس» مستوى متقدماً من الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص، حيث باتت المؤسسات تنظر إلى التوطين بوصفه استثماراً في رأس المال البشري، يعزز تنافسيتها ويسهم في استدامة نموها. ويمنح التمديد الشركات مزيداً من الثقة في استمرارية السياسات، بما يدعم قدرتها على بناء مسارات مهنية طويلة الأمد للمواطنين، وتطوير بيئات عمل أكثر جاذبية واستقراراً.
ويبرز «نافس» في مرحلته الجديدة بوصفه أكثر من برنامج للتوظيف، إذ يعكس تحوّلاً تدريجياً في بنية سوق العمل، يقوم على: تعزيز دور المواطن شريكاً في الاقتصاد، ورفع جودة الوظائف ومساراتها المهنية، وترسيخ الاستقرار كعنصر أساسي في الجاذبية الوظيفية، توسيع نطاق التكامل بين البعد الاقتصادي والاجتماعي. وهنا تحديداً تتجلى قيمة التمديد حتى 2040: ليس كاستمرار لبرنامج، بل كترسيخ لمسار.
إقرأ المزيد


