جريدة الإتحاد - 4/20/2026 11:48:38 PM - GMT (+4 )
تعدّ السجالاتُ الواسعة حول مفهوم «الاستشراق» برمته، وكذلك النقاشات حول تنوع تعريفه، سجالات ونقاشات أساسية بل وثرّية في كثير من الأحيان. وهذه النقاشات والسجالات لم تتوقف بعدْ كما يعتقد البعض. بل إن الاستشراق بكل أثره، وما حمله من معانٍ ومناهج ومفاهيم، لا يزال موضع اهتمام وتحليل من جانب المفكرين، كما أنه جزء من اهتمام المؤلفين الجادين.
فهذا المجال أعم من تسميته الاصطلاحية، إذ تظل دراسات العلاقات بين الأمم والثقافات أساسية، ولا يشترط معها وجود خطط هيمنة، أو إرادات توسع، كما في المفهوم الشائع، والأكثر حدة، بشأن الاستشراق. وهو مفهوم طرحه بشكل أساسي المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد، وذلك في كتابه الشهير «الاستشراق»، الصادر في عام 1978، والذي لا يزال إلى وقتنا الحالي موضع نقاشٍ وسجالٍ، وبصفة خاصة في ما يتعلق بمنهجه، ونتائجه الحاسمة. وقد أتبع سعيد كتابَه حول «الاستشراق» بكتاب آخر يُعد متمّماً لكتابه الأول، وكان بعنوان «الثقافة والإمبريالية»، وقد أصدره في عام 1993.ومن هنا وجد وائل حلاق، الأستاذ في «جامعة كولومبيا» الأميركية، الفرصةَ مواتيةَ ليطرح في عام 2018 كتابَه المهم «قصور الاستشراق.. منهج في نقد العلم الحداثي»، وقد ضمّنه ملاحظاتٍ محوريةً وجوهريةً حول كتابَي سعيد المذكورين آنفاً. والكتاب موزع على خمسة فصول جاءت عناوينها كالتالي: وضع الاستشراق في مكانه، المعرفة والقوة والسيادة الكولونيالية، المؤلف الهدّام، السيادة المعرفية والإبادة البنيوية، ثم إعادة صوغ الاستشراق وإعادة صوغ الفرد.
ومضمون الكتاب يتكشّف إذا قرأنا عنوانه الشارح، أي «منهج في نقد العلم الحداثي». يبدأ حلاق كتابه بتقرير غموض مصطلح الاستشراق، ومشكلة التمييز بين الاستشراق المتحيّز والآخر الموضوعي. غير أنه يتفهم هذا من الناحية الإمبريقية العملية، مشيراً إلى تشتت إدوارد سعيد بين المبالغة التي تجد جذورَها في أفكار ميشيل فوكو «النافي للفاعلية الفردية في تكوين خطابات القوة» وبين مشكلة «التعميم الجارف». كما ينتقد منذ بداية الكتاب تبنِّي سعيد لنظرية الحتمية عند فوكو، الخاصة بالتشكلات الخطابية.
وعلى تماس مع كتاب حلّاق نفسه، ثمة نظريّة أخرى قرأتُها قبل أيام من الآن، وهي منشورة في مجلة «حكمة» الفلسفية، وصاحب النظرية هو المفكر ينس هانسن، وقد ترجمت النصَّ شيخة مرزوق. وفي هذا النص رأى هانسن أنه كان على وائل حلاق أن يقدّم في الفصل الرابع من كتابه «قصور الاستشراق» دليلاً على تقاطع إنتاج المعارف الأكاديمية مع الإبادة الاستعمارية. لكن عوضاً عن ذلك يبدأ حلّاق بنقد الجامعة النيوليبرالية، ويشير إلى تشابهات بنيوية بينها وبين الشركات متعدّدة الجنسية، ويزجّ بـ«المجالات المركزية للعلم الحديث» في المشروع الاستعماري.
ومن جانبي، أعلّق على ذلك القول بأن حلاق في الفصل الرابع حول «الإبادة البنيوية» يضع ملاحظةً على طرح إدوارد سعيد، إذ يوضح أن نقده لسياسات الإبادة يشبه نقدَه للاستشراق، وعليه فإنه نقد يختلط بالأسطورة، ومحاط بحالٍ من النكران العميق.
بل إن حلاق ينتقد مقولة إدوارد سعيد التي يذهب فيها إلى أن «الاستشراق نمط تفكير يقوم على التمايز بين الشرق والغرب»، إذ يبدو بالنسبة لسعيد أن الاستشراق كان أدائياً ولم يكن تصويرياً، وأن موضوعه كان يتحدد باعتباره بنية مؤسسية وفكرية، وهو بذلك يرتبط بالقوة على نحو واضح لا يمكن الشك فيه حالياً على الأقل.
والخلاصة في هذا كله هي أن البحث في آثار مفهوم «الاستشراق» مستمرّ وضروري بغية تحليل المفاهيم التي صاحبتْه ودرْسِ الأثر الثقافي الذي ورّثه، وهذا ما يقوم به العديد من المتخصصين والأكاديميين حتى اليوم، وهو جهد مفيد للدارس والمهتم بهذا المجال البحثي المربك.
*كاتب سعودي
إقرأ المزيد


