تعزيز جودة حياة الكادر التعليمي
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

يُشكّل التعليم في دولة الإمارات العربية المتحدة إحدى الأولويات الرئيسية في رؤيتها الوطنية، ومحوراً أساسياً لترسيخ دعائم عملية التنمية المستدامة. ومنذ قيام الاتحاد عام 1971، ارتبطت مسيرة التعليم برؤية طموحة تؤمن بأن الاستثمار في الإنسان هو الركيزة الأهم لتحقيق التقدم والازدهار، وبأن المعرفة هي الطريق الأوحد لصناعة المستقبل وتعزيز تنافسية الدولة عالمياً.

وانطلاقاً من هذا التوجه، تواصل القيادة الرشيدة تعزيز المنظومة التعليمية من خلال تحديث أُطُرها التشريعية والتنظيمية، من أجل تحسين المخرجات، ورفع كفاءة الأداء، وفي هذا السياق، تبرز العناية بالكادر التعليمي بوصفها ركيزة استراتيجية لا استجابة ظرفية، إذ تمثّل امتداداً طبيعياً لمسار وطني متنامٍ يضع المُعلّم في قلب مشروع التحديث والتطوير، ويعزّز دوره في ترسيخ القيم وتنمية المهارات وصناعة مستقبل أكثر استدامة وابتكاراً.
في هذا السياق، جاءت توصيات المجلس الوطني الاتحادي بشأن جودة حياة الكادر التعليمي خلال جلسته الخامسة من دور انعقاده العادي الثالث من الفصل التشريعي الثامن عشر، لتؤكد أن تطوير التعليم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالارتقاء بالبيئة المهنية والمعيشية للمعلّم، بوصفه الركيزة الأولى في بناء المنظومة التعليمية وصياغة أثرها المعرفي والتربوي. فالمُعلّم، في جوهر هذه الرؤية، حامل رسالة، وشريك أصيل في بناء الإنسان وإعداد الأجيال، ومن ثمّ فإن جودة أدائه واستقراره ورضاه المهني تُمثّل شرطاً أساسياً في ترسيخ تعليم أكثر كفاءة واستدامة.
وقد تبنّى المجلس 12 توصية عكست وعياً متقدماً بالتلازم الوثيق بين جودة حياة الكادر التعليمي وجودة التعليم ذاته، داعياً إلى إصدار تشريع اتحادي خاص ينظّم الوضع الوظيفي للكادر التعليمي في القطاع الحكومي، على نحو يجسّد مكانة المعلّم وطبيعة رسالته، ويؤطّر حقوقه وواجباته ضمن رؤية أكثر اتساقاً مع متطلبات المهنة وأهميتها.

كما أوصى بتطوير بعض الأطر التنظيمية ذات الصلة، بما يعزّز إدراج مراجعة وتقييم جودة حياة الكادر التعليمي ضمن الاختصاصات المؤسسية المعنية بجودة التعليم.
ويبرز من بين هذه التوصيات، استحداث إدارة متخصصة ضمن الهيكل التنظيمي لوزارة التربية والتعليم تُعنى بجودة حياة الكادر التعليمي، وتعمل على إعداد سياسات شاملة ومستدامة لتحسين أوضاعهم المهنية والمادية، ومتابعة تنفيذها وتقييمها وتحديثها وفق المتغيرات المؤثّرة في واقعهم الوظيفي والمعيشي. وهي توصية تكشف إدراكاً بأن العناية بالمعلّم ينبغي أن تكون ضمن رؤية مؤسسية مستقلة، ذات أدوات واضحة، وغايات قابلة للقياس، ومسار متصل من الرصد والتحسين.
وقد أولت هذه التوصيات بيئة العمل أهمية خاصة، انطلاقاً من حقيقة أن المعلّم لا يستطيع أن يؤدي رسالته على الوجه الأكمل ما لم تتوفر له بيئة مهنية منسجمة مع طبيعة عمله، لذلك دعت إلى وضع قواعد عامة موحّدة تنظّم بيئة عمل الكادر التعليمي في القطاعين الحكومي والخاص، بما يشمل تنظيم ساعات العمل اليومية، وتقليل نِصاب الحصص وفق المرحلة الدراسية وطبيعة المادة، وتخفيف الأعباء الإدارية والإشرافية، حتى يتفرغ المعلّم لجوهر مهمته الأساسية: التعليم والتربية وصناعة الأثر.
كما أولت التوصيات الجانب المادي عناية واضحة، عبر الدعوة إلى تطوير رواتب الكادر التعليمي المواطن في القطاع الحكومي، وإعادة النظر في البدلات والعلاوات، إلى جانب دراسة تنظيم علاقة العمل في القطاع الخاص، والنظر في وضع حدّ أدنى لرواتب المعلمين، وإعداد نموذج عقد عمل خاص بالكادر التعليمي يحدّد الحقوق والالتزامات، بما يواكب خصوصية المهنة، وشدّدت هذه التوصيات على وضع نظام واضح للتدرج الوظيفي، وتحديد مهام المعلم بدقة، وتطوير سياسات التقييم والتحفيز، فضلاً عن إعداد خطة توعوية وإعلامية تعزّز صورة المعلم ومكانته في المجتمع.
إنّ توصيات المجلس الوطني الاتحادي الرامية إلى تحسين جودة حياة الكادر التعليمي تُجسِّد نهجاً وطنيّاً راسخاً، يؤكد على مكانة المعلّم بوصفه محور العملية التعليمية وركيزة بنائها. ويعكس ذلك حرص القيادة الرشيدة على تعزيز استقرار المعلم مهنياً واجتماعياً، وتوفير بيئة تعليمية محفّزة تضمن الارتقاء بالمخرجات وتدعم مسيرة التنمية المستدامة، بما يرسّخ قيمة التعليم في بناء الإنسان وصناعة المستقبل. 

*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية. 



إقرأ المزيد