نحل العسل.. دعوة لإنقاذ الأنواع المحلية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 لسنوات، سمع الأميركيون نداءات عاجلة لإنقاذ نحل العسل. وفي عام 2009، أطلقت إدارة أوباما «اليوم الوطني لنحل العسل»، ووضعت خلية نحل في البيت الأبيض، وجعلت «صحة نحل العسل» البند الأول في خطة عملها للشراكة مع الملقّحات. وفي عهد إدارة ترامب الأولى، حثّت وزارة الزراعة الأميركية الأميركيين على «التفكير في إنشاء خلايا نحل حيثما أمكن»، كما فعلت عائلة «مايك بنس» في مقر إقامة نائب الرئيس.
ونشر «نادي سييرا» منشوراً على وسائل التواصل الاجتماعي تحت وسم  #اليوم_العالمي_للأنواع_المهددة_بالانقراض: «نحل العسل مُهدد بالانقراض!». وناشد مجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية، في نداء خاص بنحل العسل: «أنقذوا النحل. أنقذوا البشرية».
كما شجّعت الولايات والمدن هواة تربية النحل، وروّجت الشركات لمنتجاتها الصديقة للنحل. واستجاب كثيرون من ذوي النوايا الحسنة لهذه الدعوات، مما أدى إلى ازدهار تربية النحل في الحدائق المنزلية.
لكن كل ذلك كان قائماً على مغالطة. فلم يكن النحل في خطر وجودي قط. بل إن الجهود المبذولة، وإنْ كانت حسنة النية، لزيادة أعداده قد عجّلت من تراجع أعداد النحل المحلي الذي هو في الواقع في خطر. وانطلقت حركة «أنقذوا النحل» بعد انهيار أعداد نحل العسل قبل 20 عاماً بسبب «اضطراب انهيار خلايا النحل» - وهو تهديد لـ35% من إنتاج المحاصيل العالمي، الذي يعتمد بالأساس على تلقيح الحشرات لأنواع متنوعة من النباتات.
لكن نحل العسل ليس حشرات محلية، بل ليس حشرات برية أصلاً بالمعنى الحقيقي. إنه أشبه بماشية مُدارة، مثل الأغنام والأبقار. لذا فإننا «نُنقذ» نحل العسل ببساطة عبر تربية المزيد منه. ورغم استمرار انهيار خلايا النحل بمعدلات مرتفعة، فقد أظهر أحدث إحصاء لوزارة الزراعة الأميركية رقماً قياسيا بلغ 3.8 مليون خلية نحل عسل في الولايات المتحدة، بزيادة 25% خلال خمس سنوات.

تكمن المشكلة في أننا كنا ننقذ النحل الخاطئ، فنُعلي من شأن نوع واحد دخيل على حساب 4000 نوع من النحل المحلي. يكتشف العلماء أن نحل العسل قد يُسرّع في الواقع من انقراض النحل الطنّان وأنواع أخرى من النحل المحلي، وذلك بنشر الأمراض، ومنافسة النحل المحلي على حبوب اللقاح والرحيق، والمساهمة في انتشار النباتات غير المحلية على حساب النباتات المحلية التي يزدهر عليها النحل المحلي.
هذا هو الوقت من العام الذي يطلب فيه مربو النحل خلايا نحل جديدة للتسليم قبل حلول فصل الصيف. ولكن قبل الإقدام على ذلك، خذ بنصيحة علماء الحشرات والمحافظين على البيئة: قال «سكوت هوفمان بلاك»، رئيس جمعية «زيرسيس» لحماية اللافقاريات: «كثيرون جداً حصلوا على خلايا العسل لأنهم ظنوا أنهم يساعدون النحل. وجود الخلايا لا يساعد النحل المحلي، بل ولا يساعد نحل العسل نفسه».
وحذّر «تاي رولستون»، المتخصص في النحل بجامعة فيرجينيا، من أن تربية نحل العسل «لن تؤدي إلا إلى الإسهام في الصعوبات التي يواجهها النحل المحلي في العالم».
وقال «بيرت هاريس»، من معهد كليفتون صراحة: «إذا أردت إنقاذ النحل، فلا تربِّ نحل العسل». وقبل أن أثير غضب مربي النحل، دعوني أوضح: لقد كانت حركة إنقاذ الملقحات، بشكل عام، مفيدة للغاية على مدى العقدين الماضيين. فقد جعلت ملايين الناس يهتمون بحدائق الملقّحات والمروج البرية والنباتات المحلية، ودفعتهم لمعارضة المبيدات الحشرية. كما أن كثيراً من جماعات الدفاع عن نحل العسل تروّج للنحل المحلي أيضاً.
كما أن هناك مكاناً لمربي النحل المسؤولين. إذا كنت تربي النحل لأنك تحب العسل أو شمع العسل (أو تكسب رزقك منهما)، فاستمر في ذلك - طالما أنك تزرع ما يكفي من الزهور المحلية لإطعام خليتك وتتبع بروتوكولات صارمة لمنع انتشار الأمراض. لكن إذا كان هدفك هو مساعدة الملقحات، فالحل بسيط: لا تربِّ نحل العسل.
وإذا كنت تريد دعم الملقِّحات، فجرب بعض الاقتراحات الأفضل (والأسهل). النحل من أنواع مثل النحل الطنّان ونحل العرق ونحل البناء ونحل الحفر ونحل قاطعي الأوراق وغيرها من الأنواع المحلية - ومعظمها منفردة وتعشش في الأرض ومسالمة - تحتاج مساعدتك. أما نحل العسل فلا يحتاجها. إنها قصة تحذيرية عن العواقب غير المقصودة التي تظهر عندما نتدخل في الطبيعة، حتى مع أفضل النوايا. غالبا ما تُسفر جهودنا لإصلاح الأضرار التي يتسبب بها الإنسان عن نتائج مخيّبة للآمال.
وبينما كانت البلاد تُغرَق بأفكارٍ تُغريها بتقديم مساعدة غير ضرورية لنحل العسل، كان النحل الطنان ذو البقع الصدئة، Bombus affinis، مُعرّضاً لخطر الانقراض. فبعد أن كان منتشراً على نطاق واسع في شرق أميركا الشمالية، اختفى من 87% من نطاقه التاريخي. والآن، لا يوجد إلا في جيوبٍ مُنعزلة، مثل منطقة الغرب الأوسط الأعلى والجبال الواقعة بين فرجينيا وفرجينيا الغربية.
وأظهرت دراسات واسعة النطاق أن مستويات الفيروسات الموجودة في النحل الطنان والنحل الانفرادي ترتبط بمستويات الفيروسات في نحل العسل في المناطق نفسها. وقال «جيمي سترينج»، عالم الحشرات بجامعة ولاية أوهايو، إن العلاقة السببية واضحة. وأضاف: «الأمراض الموجودة في النحل المحلي هي نفسها الموجودة في نحل العسل. لذا، هناك مشكلة حقيقية تتعلق بانتقال الأمراض في الطبيعة».
ووجدت دراسات أخرى أن نحل العسل يزاحم النحل المحلي لما يتمتع به من مزايا طبيعية. فهو يخزّن الغذاء خلال فصل الشتاء، مما يمنحه بداية قوية في الربيع، كما يمتلك مساحات واسعة للبحث عن الطعام، ويتواصل فيما بينه لتحديد مواقع الأزهار - وهو أمر لا يستطيع النحل الانفرادي القيام به.
وأظهرت الأبحاث أيضاً أن نحل العسل، لكونه من الأنواع العامة، يميل إلى تعزيز انتشار النباتات غير المحلية من خلال التغذي عليها وتلقيحها. وهذا يقلل من التنوع البيولوجي للأزهار، مما يزيد من معاناة الحشرات المحلية.

إذا كنت تربي نحل العسل، فهناك طرق للحدّ من الضرر. يقترح بلاك، من شركة زيرسيس، أن يقوم مربو النحل باستعادة فدان واحد من الموائل الطبيعية لكل خلية نحل يحتفظون بها. قد يكون هذا كافياً لإعالة 40000 حشرة تعيش في خلية نموذجية دون تجويع النحل المحلي.

 

*كاتب متخصص في العلاقة بين التكنولوجيا والإنسان
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»



إقرأ المزيد