من أوراق مسافر مبتلة بالعشق - 2
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

تظل حقائب ذلك المسافر مليئة بأوراق مبتلة بالعشق، فما بين ذلك الفنان المسرحي العراقي «عوني كرومي» وجولة في مدينته بغداد، وبين المسرحي المغربي «الطيب الصدّيقي» سادن الدار البيضاء، وجولة فيها تتداعى ذكريات حلوة، وأيام مليئة بالمعرفة والدهشة والاكتشاف، كان كل واحد منهما حارساً من حرَّاس أبواب مدينته التي هي هوس روحه، وسعدت أنهما استودعاني شيئاً من عشقهما، ومن عطور مدينتيهما.
ترافقت خطانا مرة، وأنا أتبع ظل الطيب الصدّيقي الذي ترك مدينته قبل عشر سنوات تضج بناسها، وأوجاعها، وتتمدد على نفقة عشاقها، لقد رأيته قبلها وهو يجوس في تلك المدينة الصاخبة بنهارها وليلها، ودرب السلطان، وحبوسها، كان يعرف أين يسكن الفقراء، وأين يمكنه أن يقبض على صعاليكها، ودراويشها في أزقتها، كان يدرك أن له حضوراً في المكان، وفي قلوب الناس، كان مرتدياً عباءته السوداء المبخرة بالعود، وكحل يخط العين، تاركاً لحيته وشعره الطويل المخضب بالسواد والبياض منسدلاً على كتفيه، مثل أي من دهاقنة المعبد، بذاك «السيكار» الذي لم يتخلَّ عنه طوال حياته، متعكزاً على عصا، كان يقول: إن له فيها مآرب أخرى! قلت له: أشعرتني أنك «عمدة كازا أو شيخ الحُومة»، فرد بصوته المسرحي الجهوري: لقد قدمت لها الكثير، وقدمت لي هي الكثير، فحق علينا أن نتحابا، ونمضيا بعشقنا صعوداً نحو البركات، ونوران التجلي، وذاك التوحد الصوفي.
بعد تلك اللقاءات، فرضت مستجدات الحياة ذلك البعد، فالجغرافيا لها نصيبها حين تستقر به في نهايات الشمال، ولا يجرب هو الريح ومراكبها، وتباعدك أنت في مسافات الجنوب، ولا تكل من ترحال كطائر وهب جناحيه للريح والمدى، ثم إن هناك شخصيات تفضل أن لا ترى شيخوختها التي تشبه رماد الخريف، وهو الذي كان مثل كحل الليل والعين، لا إثمدها.
كنت التقيت به لأول مرة في بداية التسعين في دارته الجميلة، وترحاب زوجته الأجمل، كانت أمسية أخرجها مسرحياً كيفما يشتهي، ضمتنا مع الصديق السعودي» صالح العزاز»، و«حسن العلوي» حاكم فريموس، وأحد المسرحيين المغاربة كان شاربه يغطي بسمكه على أسمه، كانت سهرة ثقافية ممتعة، ونقاشية ساخنة، تخللتها موسيقى، وأطايب الدار، تجادلنا في تفسير سورة الكوثر، واختلفنا على زيارة «رابين» لبيته، كان التاريخ والمسرح والسينما، ومدن الحرية والنور هناك، وجعلته يتوقف ويقول لي: أقرب من مقعدي أيها الفتى غير النفطي أكثر. وأكثر حين ذكرت فيلم «قبلة المرأة العنكبوت El beso de la mujer araña». ويوم عيد ميلاده جلبت له باقة ورد لا تدخل من باب البيت، أعجبته وفهم معنى تلك الحركة التي عدّها من الحركات المسرحية العبثية، وهو الذي ابتكر مسرحاً مغربياً جديداً، كان مسرحاً طلقاً، وفي الأسواق، وساحة «جامع الفنا» بمراكش، جذب المغنين في الأحياء الفقيرة، وقدمهم للناس، كفرقة «ناس الغيوان»، و«جيل جلاله»، اعتمد على التراث والإرث العربي، مثل مقامات «عبد البديع الهمذاني»، وخالط بين العربية والدارجة المغربية، كان مقلاً في السينما، له فيلم «الزفت»، ودوره المميز، للوليد بن عتبه في فيلم « الرسالة»، لكنه ظل يشككني أنه ليس هو، من باب المناكفة، لكنه لا يخفى عليّ بأدائه المميز، حتى كدت أقتنع بكلامه، لكن ذاكرتي الشبابية أسعفتني وقد شاهدت الفيلم بنسختيه العربية والإنجليزية لأول مرة في دور السينما في لندن عام 1979، فضحك بتلك القهقهة المسرحية.
وكان وقتها يجرب العمل الفني البدائي للإنسان على الخزف والفخار، ويزينه بالخط العربي أو الحروف الأمازيغية، وأهداني جرتين استقرتا طويلاً في ذاك المنزل الباريسي.
بين «الصويرة» تلك المدينة التي ولد فيها الطيب ابن رجل العلم والدين إلى الدار البيضاء حيث أضواء المسرح والشهرة، ومحاولة اكتمال نضج معرفة الإنسان، مضت تسعة وسبعون سنة مما يعدون، لكنها أَرَّخت لهذا الفنان الكبير. لروحه السكينة والطمأنينة، والذي استذكره اليوم بذاك الحب المشفوع بالصلوات.



إقرأ المزيد