جريدة الإتحاد - 5/20/2026 11:21:16 PM - GMT (+4 )
منذ أسابيع يبدي الرئيس الأميركي دونالد ترامب حرصاً جلياً على التوصل إلى اتفاق يتيح له إعلان النصر في الحرب على إيران. وفي المقابل، يبدو أنه يخشى إبرام اتفاق نووي شبيه بذلك الذي عقده باراك أوباما، وما سيتبعه من انتقادات. وقد تجلى ذلك، الأحد الماضي، حينما نشر ترامب تدوينةً وصف فيها ردَّ إيران على إطار عمل أميركي لإنهاء الحرب بأنه «غير مقبول إطلاقاً!».
واعتمد جزءٌ كبير مِن بناء هذه الحالة على ما لم يفعله ترامب. فقبل شن الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران، لم يُقدم الرئيس الأميركي أي تفسير للأميركيين حول مبررات استخدام القوة العسكرية للمساعدة في تغيير النظام، أو القضاء على أسلحة طهران النووية وتهديداتها الإرهابية، أو تقويض قدراتها العسكرية. ويبدو أنه لم يُطلع أعضاء الكونغرس على تفاصيل الوضع. كما يبدو أنه لم يستشر حلفاء الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي «الناتو».وعلاوة على ذلك، إذا كان تغيير النظام هدفاً للحملة العسكرية، فمن الواضح أن ترامب لم يبذل جهدًا يُذكر للتنسيق مع المعارضين داخل إيران، رغم أن المصاعب الاقتصادية المزمنة في جميع أنحاء البلاد ولّدت معارضةً هائلة، تجسّدت في المظاهرات التي عمت إيران وقُمعت بوحشية شديدة في يناير الماضي. ويُشكل الشباب دون سن الثلاثين نصف سكان إيران، وهم يرفضون إلى حد كبير أيديولوجية الملالي الراديكالية. ومنذ مقتل «مهسا أميني» في مخفر تابع لشرطة الآداب الإيرانية عام 2022، تحدت العديدُ من النساء الإيرانيات علناً ادعاءَ النظام الأساسي بالشرعية. وبلغ السخطُ الشعبي في إيران، ولا سيما بين الأكراد والبلوش، مستويات غير مسبوقة.
وبدون أي استعداد مسبق، شن ترامب حملة عسكرية ناجحة وموجعة. ورغم أنها لم تكن ناجعةً بالقدر الكافي حتى الآن، فإن نتائجها بالتأكيد لا يُستهان بها، بما في ذلك «مشروع الحرية» المتوقف حالياً لفتح مضيق هرمز أمام صادرات النفط الخليجية.
ولا تكمن المشكلة في شن للهجمات، بل في عدم إتمامها. وكما قال ونستون تشرشل عن استراتيجية رئيس الوزراء البريطاني أنتوني إيدن عام 1956 بشأن قناة السويس، والتي انتهت عندما أجبرت الولاياتُ المتحدة الجهودَ البريطانية الفرنسية الإسرائيلية على وقف الاستيلاء على القناة: «لا أدري إن كنتُ سأجرؤ على البدء، ما كنتُ لأجرؤ على التوقف أبداً».
لكن ترامب توقف، وفي وقت تسعى فيه فلول النظام الإيراني إلى كسب الوقت للخروج من تحت أنقاض الخسائر الهائلة، في محاولة لإعادة ترسيخ حكمها، وإعادة بناء قدراتها العسكرية، بما في ذلك برامجها النووية والصاروخية الباليستية، وشبكات وكلائها الإرهابيين في المنطقة. وهم يدركون أن مشاكل ترامب السياسية الداخلية تؤرقه أكثر بكثير من التهديد البعيد المتمثل في عودة نظام ثيوقراطي عسكري إيراني. وبالتالي، حتى لو بدا أن طهران تقبل وقفَ إطلاق النار الذي اقترحه ترامب كأساس للمفاوضات المستقبلية، فإن النظام سيتريث في اتخاذ أي خطوة جوهرية، بما في ذلك فتح مضيق هرمز.
ولا يملك ترامب سوى خيارين يتوافقان مع الأمن القومي الأميركي. الأول هو إعلان انتهاء وقف إطلاق النار الذي تم انتهاكه مراراً واستئناف تدمير أجهزة الدولة الإيرانية. ويرى منتقدو الهجمات الأميركية الإسرائيلية، وربما من ضمنهم وكالة المخابرات المركزية الأميركية، أن هناك الكثير من العمل المتبقي قبل تدمير الحرس الثوري الإيراني. لذلك، يجب المضي قدماً بينما لا تزال القوات الأميركية موجودةً بالفعل في المنطقة.
وإذا لم يستطع ترامب اتخاذَ تلك الخطوة الكبيرة، فإن خياره الآخر هو الخطوة الأصغر المتمثلة في فتح مضيق هرمز عسكرياً للتجارة وتصدير البترول، مع استمرار الحصار المفروض على إيران. وتأتي حرية الملاحة البحرية على المحك هنا، إذ تُعد ركيزةً أساسيةً للسياسة الخارجية الأميركية منذ 250 عاماً، ولها تداعيات هائلة في مناطق متنازع عليها أخرى. كما أن تمكين عودة النفط إلى الأسواق الدولية قد يخفف الأزمات الاقتصادية الراهنة. وهذا مع الاستمرار في الحصار الأميركي على إيران، بل وتوسيعه جواً وبحراً حيثما أمكن، ليشمل موانئ إيران على بحر قزوين، مما يزيد الضغط الاقتصادي.
والأهم من ذلك، أن العمل العسكري ضروري لاستعادة الردع، إذ يجب أن تدرك طهران يقيناً أنها ستواجه عواقب وخيمة إذا حاولت لاحقاً إغلاقَ المضيق. إن الاكتفاء بإنهاء هذه الأزمة دبلوماسياً، لا سيما بموجب العملية «التدريجية» التي يبدو أن عرض ترامب الأخير يتضمنها، سيمثل سابقةً كارثية، إذ سيخلص النظامُ الإيراني على الأرجح إلى أنه لن يواجه سوى عواقب دبلوماسية، لا عسكرية، إذا ما أغلق المضيق مرة أخرى. لقد أظهرت الساعاتُ الأولى من «مشروع الحرية»، مع مرافقة الجيش الأميركي للسفن التجارية عبر المضيق، بوادر نجاح واعدة. ومن الواضح أنه يجب بذل المزيد من الجهد باستغلال هذا الخيار المهم. ففتح المضيق يتطلب جهوداً نشطةً لتدمير الزوارق السريعة الإيرانية، وصواريخها المضادة للسفن، وقدرات طائراتها المسيرة الموجهة ضد التجارة البحرية. وإذا رفعت طهران حدةَ التصعيد في المقابل، فإن ذلك سيثبت ببساطة أن النظام لم يكن ينوي قط التخلي عن قبضته على المضيق.
*سفير سابق لدى الأمم المتحدة ومستشار سابق للأمن القومي الأميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


