جريدة الإتحاد - 5/20/2026 11:51:45 PM - GMT (+4 )
يبدو أن هناك اعتقاداً متزايداً بأن لوحة مفاتيح الكمبيوتر في طريقها إلى الزوال، أو على الأقل، تراجعت مكانتها كوسيلة إدخال أساسية في بيئة العمل. وقد تناولت كيت كلارك، في مقال لها في صحيفة «وول ستريت جورنال»، اتجاه موظفي الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا إلى استخدام برامج الإملاء بالذكاء الاصطناعي، لتحويل أفكارهم المتشعبة إلى نصوص متماسكة وقابلة للاستخدام خلال ثوانٍ. وفي مقال بعنوان «الكتابة تُستبدل بالهمس، وهو أمر أكثر إزعاجاً بكثير»، كتبت كلارك: «في وادي السيليكون، يُعاد تشكيل بيئة العمل، حيث تتحول المساحات الهادئة إلى بؤر للضجيج». وتقترب شركة «ويسبر»، المطورة لأحد أشهر التطبيقات في هذا المجال، من جولة تمويل قد ترفع قيمتها إلى ملياري دولار. وقال هارشيث فاديبارثي، المسؤول في قطاع التكنولوجيا، حول مدى موثوقية أداة البرمجة التابعة لشركة «أنثروبيك»، إنه استخدم أداةً مدعومةً بالذكاء الاصطناعي لتحويل الكلام إلى نص، تُسمى «أوبن كلو»، لتدوين أفكاره كاملةً في وثيقة مكتوبة، موضحاً أن هذه الأداة لا تبتكر الإجابات نيابةً عنه، بل تكتفي بتحويل أفكاره الشخصية إلى نص مكتوب. لكن يبقى السؤال: هل تظل الفكرة بالفعل ملكاً لصاحبها بالكامل عندما يتولى الذكاءُ الاصطناعي مهمةَ صياغتها؟
وبينما يرى فاديبارثي أن النقطة الأساسية هي أن «أوبن كلو» لا يختلق الإجابات نيابةً عنه، بل تظل وجهة النظر المطروحة هي وجهة نظره النابعة من أفكاره الخاصة، وإن أصبحت مُصاغةً في نص مُعتمد. لكن هل فاديبارثي يخدع نفسَه، كما يفعل أي شخص آخر يُفوض هذه الأدوات للقيام بمهمة؟ إن الفكرة غير المنظمة وغير الواضحة عند التحدث عنها بصوت عالٍ ليست سوى فكرة ناقصة، كبيضة نيئة تُكسر في مقلاة باردة. وكما قال الكاتب ديفيد ماكولوغ، الحائز على جائزة بوليتزر مرتين: «الكتابة نتاج تفكير. والكتابة الجيدة هي التفكير بوضوح. ولهذا السبب هي صعبة للغاية».
ربما لا يبالي المرء بالكتابة الجيدة، وهي حجة أخرى من مؤيدي الصياغة بالذكاء الاصطناعي الذين يقولون إنهم فقط يدونون ملاحظات الاجتماعات، ولا يكتبون رواية أميركية عظيمة قادمة. صحيح أن هناك العديد من الوظائف أو غالبيتها لا تُشكل فيها الكتابة جزءاً من المنتَج النهائي، ولا عنصراً مهماً فيه. بل يعتبر الكثيرون أن جزئية الكتابة هي الجزء الأكثر إرهاقاً في أي مهمة يومية. وكتبت منتجةُ الكوميديا كيت هيلين داوني في عام 2021: «دعونا نتوقف عن التظاهر بوجود وظائف مختلفة. هناك وظيفة واحدة فقط، وهي الرد على رسائل البريد الإلكتروني».
لكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتنفيذ هذه المهمة الشاقة، رغم جاذبيته الظاهرية، هو بمثابة إهمال لعقلك. فعندما يُرتب الذكاء الاصطناعي أفكاركَ ويتولى ما «تكتبه»، فإنه سيفعل ذلك وفقاً لمعيار عام واسع النطاق، مُوحداً الناتج لتُناسب الجميع. وستواجه الشركات سيلاً أكبر من الاتصالات الداخلية، حيث سيُكلف الموظفون برامجهم الآلية بمهام ما كانوا ليُكلفوا أنفسَهم عناءَ القيام بها في الظروف العادية.وقد يولد الشعور بتحقيق مكاسب إنتاجية زائفة تأثيراً تراكمياً، حيث لا نعلم على وجه الدقة مَن اتخذ القرارات ولماذا. وستتحول أماكن العمل إلى أماكن صاخبة، إذ سيصرخ الموظفون بتعليماتهم لبرامج الدردشة الآلية. وكما ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، حول الواقع الجديد لجحيم المكاتب، فإن «زيارة الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي اليوم أشبه بالذهاب إلى مركز اتصالات فاخر».
وإذا ما اختفت قدراتُ الذكاء الاصطناعي في وقت ما، وهو أمر وارد نظراً للوضع الاقتصادي المحفوف بالمخاطر في صناعة الذكاء الاصطناعي، فستجد نفسَك تتساءل: كيف كنتَ تنجز مهامَّك، تماماً كما تُعاني للوصول حتى إلى الأماكن المألوفة من دون نظام تحديد المواقع العالمي.
ولن يحدث تراجع المهارات دفعةً واحدة. فكما كتب توم سلاتر، الشريك في شركة إدارة الاستثمار «بيلي جيفورد»: «يُحسِّن الذكاء الاصطناعي أداءَ المهام الفوري بشكلٍ موثوق، لكنه يُضعف القدرات البشرية الكامنة وراء هذا الأداء. وبينما ستحصل على نتائج أفضل اليوم، ستصبح أقل كفاءة غداً». وهذا الاعتماد هو نموذج العمل، فقد جاء في بيان صحفي حديث لشركة «أوبن إيه آي»: «نحن نحول الذكاء إلى خدمة عالمية».
وعلى عكس مئات المليارات من الدولارات التي تُنفق على خوادم «أوبن إيه آي»، فإن مركز البيانات الغامض والمعجزة الموجود داخل جمجمتك مجاني الاستخدام ويعمل بكامل طاقته عند التعبير عن أفكارك التي قد تفاجئك. وكما قال الكاتب تشارلز بوكوفسكي: «الآلة الكاتبة تمنحني أشياءَ لا أعرف حتى أنني أعمل عليها». وهذه هي الإنجازات المهمة التي ستجعلك مساهماً حقيقياً، وتمثل العملَ الذي لا يمكن استبداله.
وعليك أن تضع كلَّ ذلك في اعتبارك عندما تتساءل عما إذا كان عليك التوقف عن الكتابة أو تقليلها لصالح الدردشة مع الذكاء الاصطناعي. وقد كتب بول غراهام، أحد المستثمرين التقنيين القلائل الذين ما زالوا قادرين على التفكير بوضوح: «إن عالَماً منقسماً إلى مَن يكتبون ومَن لا يكتبون أخطر مما يبدو. وسيكون عالماً من المفكرين وغير المفكرين. وأعرف إلى أي نصف أريد أن أنتمي، وأراهن أنك تعرف ذلك أيضاً». وحتى أبسط أشكال الكتابة رتابة تُبقيك في حالة تفكير. ولوحة مفاتيحك تمثل درع الحماية مِن عالم تتضاءل فيه غايتك، لذا يجب التشبث بها بشدة.
*كاتب متخصص في التكنولوجيا
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


