جريدة الإتحاد - 8/6/2026 10:30:04 PM - GMT (+4 )
قد يبدو أن الفصولَ الدراسيةَ في المدارس الابتدائية لم يطرأ عليها الكثير من التغيير على مدار العقود الماضية، فما زالت تحتفظ بمظاهرها التقليدية من معلمين يستقبلون التلاميذ وبيئة تعليمية مألوفة. إلا أن تغييرات جوهرية حدثت بهدوء داخل العملية التعليمية، إذ أصبحت الشاشات والأجهزة الرقمية جزءاً أساسياً من أساليب التدريس، بدءاً من قراءة القصص ووصولاً إلى دروس القراءة والرياضيات، لتعيد تشكيلَ تجربة التعلم داخل الفصل.
وقد حدثت هذه التغييرات تدريجياً، ثم تسارعت بشكل مفاجئ خلال جائحة كورونا، لدرجة أن العديد من الآباء لا يدركون مدى اختلاف جوانب كثيرة من التعليم الابتدائي عما كانت عليه في أيامهم، وقد حدث كل ذلك دون نقاش. واليوم، توفّر نحو 80% من الأماكن التعليمية لأطفال الروضة والصفين الأول والثاني أجهزة إلكترونية، أو تسمح لهم بإحضارها من المنزل.
ولم تعُد الشاشات مجرد أدوات تُستخدم بين الحين والآخر داخل الصف، بل أصبحت تُنظم اليوم الدراسي. ولا يتعلق الأمر بالتكنولوجيا في حد ذاتها، بل يتعلق بما يحدث عندما تُعيد الوسيلةُ، التي يتعلم من خلالها الأطفالُ، تشكيلَ عملية التعلّم نفسها.
ولطالما كان التعليم الابتدائي يتجاوز القراءة والرياضيات إلى تمرين الأطفال على الانتظار حتى ينتهي الآخر من التعبير عن نفسه قبل مشاركة أفكارهم، وكيف يتناقشون أثناء الخلافات ويشرحون وجهات نظرهم. وكان ذلك جانباً أساسياً من جوانب النمو، ولم يكن مجرد نتيجة ثانوية للتواجد في الفصل الدراسي. وعندما يُستبعد الجانب التفاعلي من التعلم، تختفي معه الظروفُ التي تسمح بنمو تلك المهارات.
وقد أمضى علماءُ النفس المتخصصون في نمو وتطور الشخصية عقوداً في إثبات أن تفكير الأطفال ينضج من خلال التفاعل مع الآخرين، وليس فقط من خلال التعرض للمعلومات. وفي العديد من الفصول الدراسية الحالية، يتعلم الأطفال بشكل فردي من خلال برامج مصممة خصيصاً لزيادة الكفاءة، وترسل البيانات الفردية التي تُنتجها تلك البرامج إلى المعلمين.
وقد تبدو هذه التحولات التكنولوجية في الفصول الابتدائية تقدماً حقيقياً، فالفصول أصبحت أكثر هدوءاً، والبرامج التعليمية التكيفية تَعد بتقديم تعليم يناسب المستوى الدقيقَ لكل طفل. ويرى الكثيرون في ذلك فوائد حقيقية، لكن يَندر أن يوجدَ قرار لا ينطوي على سلبيات. فعندما تُقدم القصص عبر مقاطع الفيديو بدلًا من أن يقرأها المعلمُ بصوت عالٍ، يتغير شيء ما في أسلوب سرد القصص نفسه. وعندما تتحول الرياضيات إلى سلسلة من النقرات الفردية بدلًا من حل المشكلات بشكل جماعي، يفقد الأطفال فرصاً للتعرف على طرق تفكير مختلفة.
وحتى لو حسّنت بعضُ التقنيات بعضَ نتائج التعلم في ظروف معينة، فهل هذا هو نوع التعليم الذي يحتاجه الشبابُ الأميركي؟ وهل نحتاج إلى فصول دراسية تُنظم من خلال التفاعل الرقمي المستمر؟ أم نريد مدارس يقضي فيها الأطفال جزءاً كبيراً من يومهم في التفاعل والإبداع؟
قد تكون المهارات الأكثر أهمية في مستقبل تقوده تطبيقات الذكاء الاصطناعي هي تلك التي لا تستطيع الحواسيبُ تنميتها، مثل الفضول، والتعاطف، وحسن التقدير، والعمل الجماعي، والقدرة على التركيز.. إلخ. ويُعد طول مدة الانتباه على وجه الخصوص من المهارات التي تضعف عندما تعطي المدارسُ الأولويةَ للتحفيز المستمر بدلاً من تنمية القدرة على المثابرة الذهنية. وكلما ازدادت قوةُ التكنولوجيا، ازدادت قيمة القدراتُ الإنسانية الفريدة، لا العكس.
وقد بدأت النرويج، التي زودت جميع طلابها بأجهزة «آيباد» عام 2016، في التراجع عن هذه السياسة بعد انخفاض مستويات القراءة. كما بدأت بعض الولايات والمناطق التعليمية في الولايات المتحدة اتخاذَ خطوات مماثلة. فقد أدرك الآباء أن المدارس التي لا تمنح الأطفالَ أجهزةً إلكترونيةً خلال السنوات الدراسية الأولى توفر لهم خبراتٍ لا يمكنهم اكتسابُها في أي مكان آخر.ولا يحتاج الأطفال إلى المدرسة ليصبحوا أكثر اندماجاً في العالم الرقمي، فهم منغمسون فيه بالفعل أغلب الوقت خارج ساعات الدراسة. بل إنهم بحاجة إلى مكان مُصمم لأهداف أخرى، مثل الحوار بدلًا من الاستهلاك، والتعاون بدلًا من التقوقع الفردي. ولا يعتبر ذلك بمثابة مقاومة للمستقبل، بل هو إعداد للأطفال ليعيشوا فيه محتفظين بإنسانيتهم الكاملة.
*أستاذة مشاركة في كلية الدراسات العليا للتربية بجامعة بنسلفانيا
**أستاذة مشاركة في كلية التربية بجامعة بورتلاند
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


