حصار إيران.. من سيتراجع أولاً؟
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

قررت الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب أن يكون الحصار البحري، بدلاً من شنّ حملة قصف جديدة، هو الوسيلة المُثلى لإضعاف إيران، وربما إسقاط النظام الإيراني. ويستند رفض إيران الدخولَ في مفاوضات جادة لإنهاء الحرب إلى حسابات النظام بأن عامل الوقت يصبّ في مصلحته، وأن ترامب، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، سيصبح في نهاية المطاف مستعداً للانسحاب من الصراع.
ويُظهر التاريخُ أن الحصارات البحرية الفعالة يمكن أن تُحدث تأثيراً مدمراً في الدول المستهدفة. فخلال الحرب الأهلية الأميركية، فرض الاتحاد الأميركي، المتمثل في الولايات الشمالية التي ظلّت مواليةً للحكومة الفيدرالية، حصاراً على الولايات الكونفدرالية، مما شلَّ اقتصادَ الجنوب وأسهم في الهزيمة النهائية للمتمردين وانتصار الرئيس أبراهام لينكولن عام 1865.

وكان الحصار البريطاني لألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى عاملاً حاسماً في إضعاف قدرة الحكومة الألمانية على إطعام شعبها والحصول على المواد الحيوية اللازمة لآلتها الحربية، مما أسهم في استسلام ألمانيا في نهاية المطاف عام 1918. وخلال الحرب العالمية الثانية، قطعت الولايات المتحدة وحلفاؤها عن اليابان إمدادات حيوية كانت تحتاج إليها لإعالة سكانها وقواتها المسلحة.
لكن في جميع هذه الحالات، كانت هناك حاجةٌ لعمليات عسكرية برية وجوية واسعة النطاق لتحقيق النصر الكامل، واستغرق ذلك سنواتٍ عديدةً. والسؤال الآن هو: كم من الوقت سيستغرق الحصارَ البحري الأميركي لإقناع إيران بأن التسوية عبر التفاوض هي الحل الأمثل؟ لا شك في أنه إذا استأنفت الولاياتُ المتحدةُ حملتَها الجويةَ وحشدت قوةَ غزو ضخمة تضم قوات خاصة ومشاة، ستكون إيران أكثر عرضةً للخطر، لكن سيتعين على الولايات المتحدة تحمل خسائر بشرية أكبر بكثير مما تحملته حتى الآن. كما سيتعين عليها تَحمُّلَ العبء المتزايد الذي تفرضه عمليات الانتشار الطويلة في الخارج على أفراد الخدمة العالقين في البحر لأشهر دون إمكانية الوصول إلى الموانئ، مع تناقص الإمدادات، التي تشمل نقص الغذاء. كما ستؤدي تلك الخسائر والعوز إلى تفاقم المعارضة للحرب في الداخل.
 يرى البعضُ أن إيران ستجد، بمرور الوقت، وسائلَ لتخفيف آثار الحصار بفضل طرقها البرية العديدة إلى الدول المجاورة، وأنه يمكن نقل النفط الإيراني وواردات الغذاء وغيرها من المنتجات الحيوية براً، وفي بعض الحالات، بالسكك الحديدية والسفن عبر بحر قزوين. لكن هذه بدائل مكلفة، وستزيد من العجز الهائل الذي يُثقل كاهلَ الاقتصاد الإيراني. وإذا أصبحت التكاليف باهظة، فقد تُجبر إيران على التفاوض.
ومن جهة أخرى، تحاول إيران الإيحاءَ بأن لديها القدرة على مقاومة أي هجوم أميركي متعدد الأطراف، وقد تستأنف هجماتها على البنية التحتية لدول المنطقة، مما قد يتسبب في اضطرابات بالغة الخطورة تتعلق بإمدادات المياه والطاقة.
وهناك سيناريو آخر يتمثل في استمرار حالة الجمود حتى انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، واستعادة «الديمقراطيين» السيطرةَ على مجلس النواب على الأقل. وهو ما سيؤدي إلى عقد جلسات استماع متعددة في الكونغرس، وسيتعين على بعض مسؤولي إدارة ترامب الإدلاء بشهاداتهم حول طريقة إدارة الحرب وتكاليفها الباهظة على المجتمع الأميركي. وسيُصور موقف ترامب بشكل متزايد على أنه في مرحلة «البطة العرجاء»، أي أنه رئيس في نهاية ولايته وأنه فاقدٌ للتأثير والنفوذ السياسي. كما سيتعرض لضغوط متزايدة للتفاوض على إنهاء الحرب دون تحقيق جميع الأهداف التي سعى إليها عند شنّها في فبراير 2026.
لذا، فنحن نشهد لعبةَ انتظار، ونترقب مَن سيتراجع أولاً. ولن ترغب إيرانُ في إتاحة مخرج من الحرب قبل نوفمبر. لكن بعد الانتخابات النصفية، قد يصبح الطرفان أكثر استعداداً لتقديم تنازلات. وسيكون ذلك النتيجة المفضلة للجميع تقريباً في المنطقة وعلى مستوى العالم.


 *مدير البرامج الاستراتيجية في مركز ناشونال انترست - واشنطن



إقرأ المزيد