جريدة الإتحاد - 8/20/2026 10:35:29 PM - GMT (+4 )
شهدت بريطانيا تعاقب خمسة رؤساء حكومات في أقل من خمس سنوات. ورغم أن حزب «العمال» تقدم على حزب «الإصلاح البريطاني» في عدة استطلاعات للرأي، فإن بوادر الاضطراب في سوق السندات، مدفوعة بحالة عدم اليقين بشأن أجندة رئيس الوزراء «آندي بورنهامش»، قد تؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار السياسي. فهل أصبحت بريطانيا «مثل إيطاليا»، في الوقت الذي تتخلّص فيه إيطاليا نفسها، في عهد جورجيا ميلوني، من عادة تعاقب رؤساء الحكومات عليها؟ لكن عدم الاستقرار السياسي في بريطانيا ليس ظاهرة فريدة، بل يعكس مواجهتها للقوى نفسها التي تزعزع استقرار الحكومات في أنحاء أوروبا.
وكما هو الحال في العديد من الدول الأوروبية، تفكك نظام الحزبين في بريطانيا، وأصبحت البلاد الآن تضم خمسة أحزاب رئيسية، أو ستة أحزاب في اسكتلندا وويلز. وفي انتخابات 2024، لم تتجاوز نسبة من صوتوا لحزب «العمال» أو «المحافظين» مجتمعين 57.4%، وهي أدنى نسبة لهما معاً في التاريخ الحديث. ويرجع ذلك جزئياً إلى تراجع النظام الطبقي القديم، الذي كان مؤشراً موثوقاً على التوجهات الانتخابية. ثم جاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ليحدث مزيداً من الاضطراب، إذ أبعد حزب العمال عن قاعدته التقليدية من الطبقة العاملة.
وفي الوقت نفسه، أصبح الناخبون البريطانيون أكثر تقلباً، وغير أكثر من 40% منهم الحزب الذي أيدوه بين الانتخابات العامة لعامي 2019 و2024، وهي نسبة مذهلة. لكن حتى الدول التي لا تتبع نظام الحزبين تواجه تحدياً آخر يتمثل في صعود الأحزاب الشعبوية. فقد ازدادت قوتها باستغلالها للمظالم المشروعة المتعلقة بالهجرة غير المنضبطة أو التفاوت في توزيع الفرص. إلا أن إتقانها استخدام وسائل التواصل الاجتماعي هو ما جعلها تهديداً كبيراً للأحزاب التقليدية. وكان الخوف من نايجل فاراج، زعيم حزب «الإصلاح»، أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت نواب حزب «العمال» إلى الإطاحة برئيس الوزراء كير ستارمر. وفي ما يتعلق بوسائل التواصل الاجتماعي، ربما ينبغي للسياسيين التقليديين أن يقتدوا بالرئيس دونالد ترامب.
وخلال أول زيارة دولة له إلى بريطانيا عام 2019، انتظرنا خروج ترامب من أبواب الطائرة فترة طويلة، وكان سبب التأخير أنه انشغل بمشادة كلامية حادة على تويتر مع صادق خان، عمدة لندن. حينها، ظننت أن الأمر برمته مثير للسخرية. لكن الساعات الثلاث التي كان يقضيها يومياً خلال ولايته الأولى على شاشات التلفزيون أو وسائل التواصل الاجتماعي تُعدّ جزءاً لا يتجزأ من استراتيجيته. لم أرَ أي زعيم آخر يبذل مثل هذا الجهد في التواصل مع الناخبين حتى خارج الحملات الانتخابية. لكن بذل الجهد في التواصل ليس سوى البداية. عملت عن كثب مع أربعة رؤساء حكومات، وخلصت إلى أن القيادة الديمقراطية الفعّالة تقوم على ثلاث صفات أساسية. أولها قدرة القائد على إقناع البريطانيين بضرورة التغيير. فقد أقنعت مارغريت تاتشر البريطانيين بضرورة تبني روح المبادرة والعمل الجاد، وأقنع توني بلير حزب «العمال» بالتخلي عن البند الرابع من دستوره، الذي كان ينص على ملكية الدولة، بينما أقنع ديفيد كاميرون البلاد بضرورة خفض عجز الميزانية العامة بعد الأزمة المالية العالمية.
واليوم، تتمثل القضية الأساسية التي يتعيّن على رئيس الوزراء الجديد إقناع البريطانيين بها في ضرورة كبح جماح دولة الرفاه المتوسعة باستمرار، التي تكلّف دافعي الضرائب مبالغ ضخمة وتُبقي أعداداً كبيرة من الناس خارج سوق العمل. وفي أول مقابلة رئيسية له بعد توليه المنصب، قال بورنهام إن البلاد «يتعين عليها أن تتعامل بجدية شديدة» مع خفض فاتورة الإعانات. وسيظهر الاختبار الحقيقي في الخريف، عندما تصدر المراجعتان الحكوميتان بشأن إعانات ذوي الإعاقة وبطالة الشباب توصياتهما النهائية، ويُطلب منه وضع خطة للتعامل معها. لكن القيادة الفعّالة لا تتعلق بالإقناع فقط، بل بالقدرة على التنفيذ أيضاً. فقد تمكّن الرئيس ليندون جونسون من تمرير قانون الحقوق المدنية لعام 1964 وقانون حقوق التصويت لعام 1965 من خلال التفاوض شخصياً مع أعضاء مجلس الشيوخ، والتعامل مع مصالحهم ونقاط ضعفهم، ثم أنشأ الأطر الإدارية اللازمة لتطبيق القوانين فعلياً.
وعندما تتحوّل السياسة إلى مجرد استعراض، لا يتغير شيء ويصاب الناخبون بالإحباط. لذلك، يجب أن يولي بورنهام الكفاءة الإدارية اهتماماً بقدر اهتمامه بالتصريحات الكبرى وبث الأمل. وأخيراً، يحتاج القائد إلى الحنكة السياسية التي تمكّنه من البقاء في السلطة. فعلى عكس الرؤساء، يمكن الإطاحة برؤساء الحكومات البريطانيين خلال ولاياتهم، كما يمكن انتخابهم لولايات متعددة. ولذلك يتعين عليهم امتلاك قدر من الخبرة السياسية، وأحياناً القسوة، لضمان بقائهم. فاستمرار القائد في السلطة ليس مجرد مصلحة شخصية، بل ضرورة لتنفيذ أي تغييرات جوهرية. وتؤثر شخصية القائد وقدرته تأثيراً كبيراً في أداء الديمقراطية. ويدرك الأميركيون ذلك أيضاً وهم يواجهون تحديات عميقة، مثل الاستقطاب السياسي.
وبينما نبحث عن سبل لتحسين عمل ديمقراطياتنا، يجب أن نتذكر ما هو على المحك: فالصراع الأساسي في هذا القرن سيكون، مرة أخرى، بين الاستبداد والديمقراطية.
ويجب على المجتمعات الحرة أن تثبت قدرتها ليس فقط على إدارة النقاش، بل على تقديم الحلول. وهذا يتطلب حكومات مستقرة وفعّالة، وقادة قادرين على الإقناع والتنفيذ والبقاء في السلطة. وإذا عجزت بريطانيا والولايات المتحدة، وهما من أبرز ديمقراطيات العالم، عن تحقيق ذلك، فستبحث دول أخرى عن نموذج مختلف.
*وزير الخارجية البريطاني بين عامي 2018 و2019، ووزير الخزانة بين عامي 2022 و2024.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


