جريدة الإتحاد - 8/20/2026 10:35:36 PM - GMT (+4 )
نعيش هذه الأيام ذكرى نبي الرّشد والحكمة المجسّد للكمال الإنساني في مداه الأقصى، ونتذكر خِلاَلَهُ ومواقفه وأقواله التي تُلهم في كل حينٍ أسمى معاني الأخلاق، فترسم طريق القلب إلى الوَسَامة الخُلقية، كما تنهج للعقل سبيلَه إلى الوَسَامة الفكرية، وهما وَسامَتان تحلّى بهما كل من عرف رسول الإسلام، فازدان بهما حُسناً وبهاءً ونضَارة.وأنا أستعيدُ بعضاً من معاني خلَتْ، وكنتُ بها منفعلاً، تذكرتُ حديثاً لابن ماجة وقد سئل النبي عن أفضل الناس، فقال: «كلّ مخموم القلب صدوق اللسان»، فقيل له: «صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟»، قال: «هو التقي النقي الذي لا إثم فيه ولا بغي، ولا غل، ولا حسد». كما تذكرتُ حديثاً لا يصح، وروي من طرق ضعيفة، لكن معناه الأخلاقي ثمين، ويسندُه الحديثُ الأول، وهو «أكثر أهل الجنة البُله».
تقودني هذه الفسحة الثقافية في هذه الأجواء النّبوية المباركة إلى تصور نموذج هذا الإنسان الذي تُصوّره العبارات السابقة في أجمل شكل:
فها هنا ثلاثة معانٍ خُلُقية تنبجس من هذين الحديثين، معاني «القلب المخموم» و«اللّسان الصدوق» و«البلاهة»، بدلالة خاصة في هذا السّياق: فبالنسبة للقلب المخموم، نجد أن «مخموم» مُشتق من الفعل خممتُ البيتَ أي كنستُه ونظّفتُه، ومن هنا فالقلب المخموم قلبٌ نظَّفهُ صاحبُه من أدران الأخلاق الرديئة، فهو سليم العلاقة مع ربه، لا يروم ظلماً، ولا يحمل حقداً أو ضغينةً، ولا يتمنى زوالَ نِعم الآخرين.
أما إذا كان الحديث الثاني قد صوّر كمال الإنسان بمعنى البلاهة، فليس المقصود من ذلك ما يعطيه بادئ الرأي من معاني ضعف التّمييز وقلة العقل، بل لقد رأى فيها العلماءُ صورةً تجسّد سلامةَ الصدر، والبعدَ عن المكر والدّهاء، وخلوّ القلب من حيل الدّنيا الخبيثة، حتى إن بعضهم قال: «البُلْه: الذين غلبت عليهم سلامة الصدور وحُسن الظنّ بالناس». فالأبله هو مَن لا يعرف الشرَّ ولا يتقن فنونَ المكر والخداع، وكأننا ها هنا أمام معانٍ ثلاثة للأبله، معنى لغوي يقرنه بقلة الفطنة، ومعنى أخلاقي يقرنه بقلة المكر، ومعنى روحي يقرنه بصفاء القلب. وهل هناك طريق لاحب إلى السّعادة غير سلامة الصدر وصفائه؟ وقد استحسن العارفون هذا المعنى، ليس لفضيلة الجهل بل لأن الشخص البسيط قد يكون أكثر استعداداً لتلقّي الفيض والإلهام من شخص حُشي قلبُه مكراً وخداعاً. لأجل ذلك كانت صورة الأبله بهذا المعنى العرفاني دعوةً إلى البساطة وسلامة القلب.
والعلاقة بين الحديثين تنير هذه المعاني بجلاء أكبر، إذ الحديثُ الأول يُقدّم أساساً نبوياً قوياً للحديث الثاني، ومن هنا يمكن الجمع بين شدّة الذكاء وعمق الفكر وقوة الحجّة، وفي نفس الوقت يكون القلب مخموماً وسليماً، فالقلب المخموم ليس هو القلب الفارغ من العقل، بل هو القلب الفارغ من الشر، ليتجسّد بذلك نموذج بانٍ لا هادم، معمّر لا مُخرب، مسالم لا محارب.
ومن هنا اتخذ أهلُ العرفان القلبَ محوراً لمشروعهم الأخلاقي، خاصةً أن القرآن يسند ذلك بقوله تعالى: «إلاّ من أتى الله بقلب سليم»، فليست العبرةُ بكثرة الأفعال، وإنما العبرة بتخلية القلب من الغلّ والحسد والخداع. وقد جعل الشّيْخُ الأكبرُ القلبَ مرآة للتجلّي حين جعل له وظيفة معرفية وروحية، إذ جعل تصفيته شرطاً للمعرفة الرّوحية.
بل إنّ ابن رشد الفيلسوف جعل إماتةَ الشّهوات شرطاً لصحّة النّظر. وبالنّسبة لفيلسوفنا فالقلب الذي تغلبه الشّهواتُ لا يستطيع تفكيراً سديداً، ليصبح القلبُ عند أهل الفلسفة والعرفان محلّ العمل من أجل الارتقاء إلى القلب المخموم، النّموذج المثالي للقلب في الفلسفة الأخلاقية عند المسلمين.
*مدير مركز الدراسات الفلسفية بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية
إقرأ المزيد


