جريدة الإتحاد - 8/20/2026 11:47:40 PM - GMT (+4 )
في حديث نبوي شريف أنه «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم يُنتفع به أو ولد صالح يدعو له». تشكّل هذه القواعدُ الثلاثُ الأساسَ لخلود معنوي يجعل الإنسانَ بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، دائمَ الحضور بين الناس، ويتَرجَم هذا الحضور بأنه نوع من الخلود المعنوي.
وهناك محاولات ومساعٍ قديمة قِدم الإنسان نفسه، بحثاً عن الخلود المادي بوسائل أخرى، إلا أنها باءت جميعُها بالفشل. من ملحمة «غلغامش» (البابلية)، إلى قصائد «هومر» (اليونانية).. تتحدث كلُّها عن موضوع الخلود وتضع له قواعد: الأولى هي البحث عن مادة «أكسير الحياة» لتجنّب الموت والفناء العدمي. وقد أنفق علماءٌ أقدمون أعمارَهم بحثاً عن هذه المادة، دون جدوى. والقاعدة الثانية تقوم على ما يُعرف في بعض الأدبيات الدينية بالولادة الثانية، أو العودة إلى الحياة الدنيا بعد الموت، وهو أمر وردت الإشارة إليه في الأديان الإبراهيمية الثلاثة (اليهودية والمسيحية والإسلام)، مثل قصة المسيح عليه السلام، وأيضاً قصة أهل الكهف، وكذلك قصة النبي يونس الذي ابتلعه الحوتُ ثم لفظه على الشاطئ.. وقصة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام والطيور الأربعة التي قطّعها إرباً ووزعها على التلال المحيطة به ثم دعاها إليه فجاءته حيّة تسعى بأمر الله، كما ورد في القرآن الكريم.وأكثر من ذلك نجد أن ثقافة العودة الثانية للحياة –الخلود- موجودة بين الفلسفات اليونانية القديمة أيضاً، خاصة عند أفلاطون. أما في العصر الحديث فإن الخلود يتجسّد في «الذكرى الدائمة والمستمرة» لبعض المفكرين والعلماء، من خلال الإنجازات العلمية (آينشتاين ونظرية النسبية مثلاً)، أو الطبية (اكتشاف العلاج لأمراض السلّ أو شلل الأطفال أو الحصبة والجدري).. إلخ. لقد خلّد التاريخُ هؤلاء جميعاً، ولكن يبقى السؤالُ: أي معنى لهذا الخلود؟
صرف الأقدمون من العلماء أعمارهم بحثاً عن وسائل للخلود الجسدي دون جدوى. وحتى المعاصرون منهم قاموا بتجارب لتجميد أجسام المرضى قُبيل الوفاة على أمل تحريرهم من التجمّد لدى اكتشاف الدواء اللازم لمعالجتهم. ويؤكد العلماء أنهم تمكنوا من إطالة عمر الفئران في التجارب المختبرية بالثلث. ويعتقدون أن هذه الوسائل العلمية الحديثة قد تصلُح للإنسان أيضاً. وإذا ثبت ذلك فعلاً، فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: إلى متى؟ وماذا بعد؟
يقول القرآن الكريم: «لكل أجل كتاب»، ويقول: «كلّ نفس ذائقة الموت». ومن هنا فالخلود لا يعني البقاءَ إلى ما لا نهاية، بل يعني البقاءَ سالماً ومعافى حتى النهاية، أي حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.. وتتواصل بعد ذلك الآثارُ والذكرى الحميدة.
مات الإمبراطور اليوناني الإكسندر الكبير منذ آلاف السنين، لكن ذكراه لا تزال حيّةً في القرن الحادي والعشرين. وتتصارع دولتان أوروبيتان اليوم هما مقدونيا واليونان على الادّعاء بأنه من أبنائها. وهناك ملايين البشر في كل قارات الأرض، يولدون ويموتون دون أن يكترث لوجودهم أو لموتهم أحد، ودون أن يتركوا أثراً يحفظ لهم ذكرى في مجتمعات الغد.
هناك أكثر من خمسة مليارات إنسان على سطح كوكب الأرض. لكن الشخصيات الحيّة في الذاكرة الجماعية للإنسانية لا يتجاوز عددها بضع مئات. إن «الخلود» لا يكون بالمجد فقط، ولكنه قد يكون بالخزي أيضاً، كما حدث مع الإمبراطور الروماني نيرون بإحراق عاصمة امبراطوريته روما، أو كما حدث مع هتلر بارتكابه جريمةَ الهولوكوست في ألمانيا.. إلخ.
يقول القرآن الكريم: «لكل أجل كتاب»، كما يقول: «إذا جاء أجلهم لا يستقدمون ساعةً ولا يستأخرون».. مما يجعل جوهر الخلود تجاوزاً للجسد وتماهياً مع الرسالة التي ائتمن الله الإنسانَ عليها في أن يكون خليفتَه في الأرض.
*كاتب لبناني
إقرأ المزيد


