محاكم «دبي المالي» تحسم نزاعات «حيتان وقروش» قضايا تجارية كبرى
الإمارات اليوم -

نظرت محاكم مركز دبي المالي العالمي عدداً كبيراً من المنازعات التجارية والمالية المعقدة، من بينها دعوى، نُظرت أخيراً، تجاوزت قيمة المطالبات فيها أربعة مليارات درهم، وأخرى انتهت بإبطال اتفاق على قرض شخصي تضمن فائدة ضخمة، بلغت 16% شهرياً، في إطار تعاملها مع ما وصفه نائب رئيس المحاكم، القاضي علي شامس المدحاني، بـ«قضايا الحيتان والقروش».

وأشار المدحاني إلى أن محاكم المركز تخدم منظومة اقتصادية تضم نحو 8800 شركة مرخصة، ويعمل ويتعامل داخلها أكثر من 70 ألف شخص يومياً، وهو ما يفسر طبيعة المنازعات التجارية والمالية التي تنظرها.

وكشف المدحاني، خلال لقاء أجرته معه منصة «عرب كاست»، تفاصيل مسيرة محاكم مركز دبي المالي منذ تأسيسها، وأسباب إنشائها، وطبيعة اختصاصاتها، وأبرز المبادئ التي أرستها في المنازعات التجارية، مستعرضاً نماذج عملية لقضايا نظرتها المحكمة، وحدود اختيار القانون الواجب التطبيق، ودورها في تعزيز ثقة المستثمرين بالمنظومة القضائية في دبي.

وأكد أن المحكمة لم تستهدف منذ إنشائها زيادة عدد القضايا التي تنظرها، وإنما ركزت على جودة الأحكام والقضايا ذات الأثر الاقتصادي، مشيراً إلى أن نجاحها ارتبط بترسيخ الثقة ببيئة الاستثمار، وتوفير منظومة قضائية متخصصة تتعامل مع المنازعات التجارية والمالية المعقدة وفق معايير دولية، مع الالتزام الكامل بالنظام العام في دولة الإمارات.

وقال إن محاكم مركز دبي المالي تتعامل مع ما وصفه بـ«الحيتان والقروش»، في إشارة إلى المنازعات التجارية والمالية الكبرى، مؤكداً أن المحكمة لا تقيس نجاحها بعدد الدعاوى التي تنظرها، وإنما بقيمة وتأثير الأحكام التي تصدرها.

وأضاف أن المحكمة نظرت أخيراً دعوى بلغت قيمة المطالبة فيها نحو أربعة مليارات درهم، لافتاً إلى أن مثل هذه القضايا يعكس طبيعة الملفات التي تنظرها المحكمة، والتي تتطلب خبرات قضائية متخصصة في الجوانب التجارية والمالية.

وذكر أن عدداً من كبار القضاة في المحاكم العليا حول العالم وصفوا محاكم مركز دبي المالي بأنها «محكمة صغيرة، لكنها مؤثرة»، موضحاً أن تأثير المحكمة تجاوز حدود حجمها المؤسسي، إلى جودة أحكامها، وما تمثله من مرجعيات في القضاء التجاري.

وأوضح أن إنشاء محاكم مركز دبي المالي جاء ضمن رؤية حكومة دبي لتأسيس مركز مالي عالمي، قادر على استقطاب المؤسسات المالية والشركات الدولية، موضحاً أن الحكومة أجرت في بداية المشروع مشاورات مع عدد من المؤسسات العالمية لمعرفة المتطلبات الأساسية لوجودها في المنطقة.

وأضاف أن تلك المؤسسات لم تركز على الحوافز الاقتصادية فقط، وإنما طرحت تساؤلات تتعلق بوجود منظومة قانونية وقضائية توفر الحماية للاستثمارات، وتحسم المنازعات وفق معايير معروفة لدى المستثمرين الدوليين.

وأشار إلى أن التحولات التي شهدها العالم، بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، أسهمت في إعادة رسم خريطة حركة رؤوس الأموال، وهو ما دفع دبي إلى تسريع خطواتها نحو إنشاء مركز مالي عالمي مدعوم بمنظومة تشريعية وقضائية متخصصة، تعزز ثقة المستثمرين.

وأكد أن المستثمر لا يبحث عن الفرص الاقتصادية فقط، وإنما أيضاً عن قضاء مستقل وسريع يضمن حماية حقوقه عند نشوء أي نزاع، وهو ما مثل أحد أهم الأسس التي قامت عليها محاكم مركز دبي المالي.

وأفاد بأن حجم المنظومة الاقتصادية التي تخدمها محاكم مركز دبي المالي يعكس أهمية وجود قضاء متخصص، لافتاً إلى أن المركز يضم نحو 8800 شركة مرخصة، فيما يتجاوز عدد المتعاملين والموظفين الذين يدخلون إليه يومياً 70 ألف شخص، وهو ما يجعله، بحسب وصفه، مدينة اقتصادية متكاملة، تتطلب منظومة قضائية قادرة على مواكبة حجم النشاط التجاري والاستثماري الذي تشهده.

وشرح المدحاني أن محاكم مركز دبي المالي العالمي لم تعتمد نظاماً قانونياً بديلاً عن النظام القانوني في دولة الإمارات، وإنما جاء لتوفير بيئة قانونية مألوفة للشركات العالمية التي اعتادت التعامل بهذا النظام في المراكز المالية الدولية.

وأضاف أن التجربة واجهت في بدايتها تساؤلات عدة، إلا أن التطبيق أثبت إمكانية الجمع بين احترام النظام القانوني الإماراتي، وتوفير منظومة قضائية تستجيب لمتطلبات التجارة والاستثمار الدوليين.

وروى المدحاني تفاصيل إحدى القضايا التي اعتبرها نموذجاً عملياً لفلسفة محاكم مركز دبي المالي، موضحاً أن النزاع نشأ بين شخصين بشأن قرض شخصي تضمن فائدة بلغت 8% كل أسبوعين، أو 16% شهرياً.

وقال إن طرفي النزاع اتفقا على اللجوء إلى محاكم مركز دبي المالي للفصل في القضية، إلا أن ذلك لم يحسم جميع المسائل القانونية، إذ كان على المحكمة تحديد القانون الواجب التطبيق، إلى جانب بحث مدى مشروعية الفائدة المتفق عليها، وما إذا كانت تتوافق مع القواعد الآمرة والنظام العام في دولة الإمارات.

وأضاف أن المحكمة انتهت إلى إبطال الاتفاق على الفائدة، بعدما تبين أن المقرض غير مرخص من الأساس بممارسة نشاط الإقراض، وأن الاتفاق خالف التشريعات المنظمة لهذا النشاط، مؤكداً أن اختيار محاكم مركز دبي المالي أو الاتفاق على تطبيق قانون معين لا يجيز الالتفاف على قواعد النظام العام أو مخالفة التشريعات الآمرة في الدولة.

وأشار إلى أن القضية لم تنته بصدور الحكم، إذ عاد المقترض لاحقاً للمطالبة باسترداد الفوائد التي سبق أن سددها، استناداً إلى مبدأ «الإثراء بلا سبب»، باعتبار أن المحكمة قضت بعدم استحقاقها، الأمر الذي فتح نزاعاً جديداً حول الآثار القانونية المترتبة على الحكم الأول.

وأكد أن هذه القضية مثلت تطبيقاً عملياً لفلسفة المحكمة، التي تمنح المتعاقدين حرية اختيار جهة التقاضي أو القانون الواجب التطبيق، لكنها لا تسمح بتجاوز قواعد النظام العام أو إضفاء المشروعية على اتفاقات تخالف التشريعات النافذة في دولة الإمارات.

وأوضح المدحاني أن اختصاص محاكم مركز دبي المالي لا يقتصر على الشركات والمؤسسات العاملة داخل المركز، وإنما يمتد إلى صور متعددة حددها القانون، من بينها المنازعات الناشئة داخل مركز دبي المالي، أو القضايا التي يتفق أطرافها على إحالتها إلى المحكمة، حتى وإن كانت العلاقة القانونية قد نشأت خارج حدوده الجغرافية.

وقال إن اتفاق الأطراف على اختصاص المحكمة يعد أحد الأسس التي تستند إليها في نظر العديد من القضايا، مستشهداً بمثال لمقاول وصاحب عقار في منطقة خارج حدود المركز، اتفقا عند إبرام العقد على أن تختص محاكم مركز دبي المالي بنظر أي نزاع قد ينشأ بينهما، موضحاً أن المحكمة تباشر اختصاصها في هذه الحالة استناداً إلى هذا الاتفاق، بينما يبقى تحديد القانون الواجب التطبيق خاضعاً لما نص عليه العقد أو للقواعد القانونية ذات الصلة.

وأضاف أن اختصاص المحكمة يشمل أيضاً المنازعات التي تكون إحدى الشركات أو المؤسسات المرخصة داخل مركز دبي المالي طرفاً فيها، بما في ذلك بعض القضايا العمالية، فضلاً عن الدعاوى المدنية المرتبطة بالأنشطة التي تمارس داخل المركز.

وأشار إلى إحدى القضايا التي نظرتها المحكمة لسيدة طالبت بتعويض بعد تعرضها لأضرار نتيجة استخدام أحد المنتجات داخل صالون تجميل موجود في مركز دبي المالي، موضحاً أن اختصاص المحكمة انعقد في هذه الحالة لارتباط الواقعة بمنشأة تعمل داخل المركز، رغم أن موضوع الدعوى لا يتعلق بمنازعة تجارية بالمعنى التقليدي.

وأكد أن محاكم مركز دبي المالي قد تطبق قوانين أجنبية إذا اتفق أطراف العلاقة التعاقدية على ذلك، لافتاً إلى أن المحكمة سبق أن نظرت منازعات خضعت للقانون الإنجليزي، وأخرى للقوانين الصينية والروسية والهولندية، وفقاً لما نصت عليه العقود المبرمة بين الأطراف.

وأضاف أن هذه المرونة لا تمتد إلى القواعد الآمرة أو النظام العام في دولة الإمارات.



إقرأ المزيد