جريدة الإتحاد - 8/27/2026 10:26:36 PM - GMT (+4 )
ثمة عبارات تولد في لحظتها، لكنها تحمل من المعنى ما يتجاوز المناسبة التي قيلت من أجلها. وشعار يوم المرأة الإماراتية لهذا العام، (بنظهر الأقوى والأفضل)، واحد من تلك العبارات التي تقرأ روح وطن بأكمله، وطن أثبت في اللحظات الصعبة أن التحديات لا تكسره، بل تكشف معدن قوته، وأن ما يمر به من اختبارات لا يوقف مسيرته، وإنما يزيده تماسكاً وثقة وقدرة على المضي إلى الأمام.
واختيار سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك «أم الإمارات» رئيسة الاتحاد النسائي العام، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، لهذا الشعار شديد الاتصال باللحظة الإماراتية. فهو ليس احتفاءً بإنجاز المرأة فحسب، وإنما امتداد لروح وطنية أثبتت، في مواجهة ما شهده محيطنا والعالم من أحداث وتحديات، أن قوة الإمارات لا تكمن في قدرتها على تجاوز الأزمات وحدها، بل في الطريقة التي تخرج بها منها أكثر تماسكاً، وأكثر وعياً، وأكثر استعداداً للمستقبل.
وفي قلب هذه القوة تقف المرأة الإماراتية.
فهي ليست بعيدة عن قصة الصمود الإماراتية، وليست متلقية لما يصنعه الآخرون من استقرار ونجاح، بل شريكة في صنعهما: في الأسرة، وفي التعليم، وفي مواقع العمل والقيادة، وفي الطب والبحث العلمي والثقافة والدبلوماسية والعمل الإنساني، كانت المرأة الإماراتية ولا تزال جزءاً من منظومة وطنية أثبتت أن قوة الدول تبدأ من قوة الإنسان فيها.
ومن هنا يحمل شعار (بنظهر الأقوى والأفضل) معنى يتجاوز مفهوم القوة بمعناه المباشر. فالقوة الإماراتية هي القدرة على الثبات دون أن نفقد إنسانيتنا، وعلى مواجهة التحدي دون أن نتخلى عن قيمنا، وعلى الاستمرار في البناء في الوقت الذي تتوقف فيه مجتمعات أخرى أمام الأزمات.
وهذه المعاني تحديداً تجسدها المرأة الإماراتية في أدوارها المختلفة. فهي الأم التي تمنح الأسرة الطمأنينة في أوقات القلق، والمعلمة التي تواصل بناء الإنسان، والطبيبة التي تؤدي رسالتها، والباحثة التي تصنع المعرفة، والموظفة التي تحافظ على استمرارية العمل، والمبدعة التي تحمل صوت وطنها وثقافته إلى العالم.
ولم تصل ابنة الإمارات إلى هذه المكانة مصادفة. فمنذ البدايات الأولى للاتحاد، آمن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بأن بناء الوطن لا يكتمل من دون المرأة، وأن تعليمها وتمكينها استثمار في مستقبل المجتمع كله. واستمرت هذه الرؤية وترسخت حتى أصبح حضور المرأة في مختلف ميادين العمل والمعرفة أمراً أصيلاً في النموذج الإماراتي.
وفي قلب هذه المسيرة الممتدة تقف سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك «أم الإمارات»، التي لم تنظر إلى تمكين المرأة باعتباره وصولاً إلى منصب أو تحقيقاً لإنجاز فردي، وإنما بناء متكامل للمرأة والأسرة والمجتمع. ولذلك يأتي شعار هذا العام ليحمل المرأة إلى مرحلة أبعد من التمكين: مرحلة القوة والأثر والمسؤولية.
ولعل تخصيص شهر كامل للاحتفاء بالمرأة الإماراتية هذا العام يؤكد هذا المعنى، فالمسألة لم تعد يوماً نستعرض فيه الإنجازات، وإنما مساحة وطنية ممتدة نقرأ فيها التجربة، ونستحضر النماذج، ونطلق المبادرات، والأهم أن نسأل: ماذا بعد؟
لقد أثبتت المرأة الإماراتية أنها تستطيع الوصول، والمرحلة المقبلة ليست مرحلة إثبات القدرة، وإنما مضاعفة الأثر.
أن تكون أقوى بالعلم، وأفضل بالعطاء، أقوى بثقتها، وأفضل بقيمها. أقوى في مواجهة التحديات، وأفضل في قدرتها على تحويل هذه القوة إلى خير لأسرتها ومجتمعها ووطنها.
وفي ذلك تكمن عبقرية الشعار: (بنظهر الأقوى والأفضل)، لا يقول إننا لم نواجه الصعوبات، بل يقول إن الصعوبات لم تستطع أن تغيّر اتجاهنا. لم تكسر إرادة الإمارات، ولم توقف مشروعها، ولم تجعلها تتراجع عن طموحها، بل كشفت عن قوة مجتمع يعرف كيف يتماسك عندما تشتد الظروف، وكيف يحوّل الاختبار إلى درس، والدرس إلى استعداد للمستقبل.
والمرأة الإماراتية جزء أصيل من هذه الحكاية.
لهذا، حين نحتفي بها هذا العام، فإننا لا نحتفي فقط بما وصلت إليه، بل بما تمثله: ابنة وطن تعلّمت منه أن القوة ليست في مواجهة التحديات فقط، وإنما في أن تواجهها وتخرج منها أكثر قدرة على البناء.
وهكذا كانت الإمارات دائماً.. كلما اختبرتها الأيام، ظهرت أقوى
وهكذا ستكون ابنتها: الأقوى والأفضل.
*رئيس قسم اللغة العربية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.
إقرأ المزيد


