جريدة الإتحاد - 9/11/2026 12:26:05 AM - GMT (+4 )
بدر عبدالملك.. أيها النبيل في منفى الخريف، وبداية الفرح بالأحفاد، المخلص لشاهد امرأة نحتت من أضلعك، وتبكيها كل صباح بالورد.
بدر.. صديق البحرين، صديق أبوظبي، صديق قبرص، صديق مدن العالم ساعة فرحها، وساعة نشوتنا بتفاصيلها، صديق وحدته، صديق اللحظات المحاصرة لذة وقته، صديق الأمنيات حبيسة الصدر، صديق المرافئ، رئة المدن في مغامراتها نحو غريب آت مؤملاً بفتح جديد، وقريب سيحرق البحر بحثاً عن لذة أخرى في مدن أخرى، صديق القراءات والتعليقات وما تبقى من كؤوس المخلصين، صديق يوقن الآخرون أنه غير مؤذ، ولا راغب في أسى، ويوقن آخرون رغم ضحكته التي تجبره أن يلقي بظهره للوراء، وتظهر فرجة سنه، أنه بوابة للذين يريدون أن يعبروا، لأنه لا يحب أن يقسو، ولا يحب رائحة الكذب، ولا الرماد، ولا أصوات الصدى، صديق ترجمه النفّاثات في العقد، المثقلات بالعقد، ولا يعني له رمي أحد، هو أكبر من مساحة مظلمة في الرأس، وأرفع من أي عيون شاخصة بالحقد، يتراءى له، كما هي الرؤية والرؤيا، أسئلة يعدها وجودية للإنسان الذي لا يحب الأذى؛
هل مفيد كل إنسان كما هو النخل، وكما هو الورد لا يفكر بالشوك ولا بالشر؟ هل مفيد كل إنسان كما هو المطر لحقل فلاح، وكما هو وعد لكل عاشق، وكما هو فرح لكل الطفولة؟ هل مفيد كل إنسان كما هو باب يغلق مثل الستر، ويغلق كما هو التعفف والامتلاء بالغنى والغناء، ويفتح كما صدر صديق أو شراع يزاغي الريح أو جناح طائر محملاً بالبشرى والرزق؟.
صديق يعشق همهمة الريح، قصيد المطر، الشبابيك المواربة على فرحة الصبية ببداية تفتح العمر، يعشق الطيور في بكورها، وزهو الفجر، منادمة الندى، ومسايرة الظل، وسر العطر في الزهر، يعشق نواح الموج القادم من بعيد طرباً لسيف البحر، هو الرؤية والرؤيا، مثل الريح والمطر والندى وضوع الفجر، المركب المبحر دوماً على سفر.
هو صديق الأماكن؛ ذاك الذي يذكره بعطر امرأة ذهبت وتركت شيئاً من سرها وسحرها وغابت، ذاك الذي يذكره بما بناه بحّار في أبعد نقطة من اليابسة، وأقرب بقعة للبحر، لأن ماء عينيه الأزرق، وذاك المكان الذي يسكن بطن الجبل، يشعره بدفء الخشب، وحنو الصخر في ساعة ضاقت به الدنيا بما رحبت، صديق لأماكن لا يمكن أن يعبر بمحاذاتها من دون أن يلقي التحية ويرفع العتب، أماكن كانت حيّة في ذاكرته كما التعب، موج الرقصات الإسبانية وسحر أميركا اللآتينية، فوضى المطاعم الإغريقية والإيطالية، الألق الفرنسي الرفيع حد مضايقة أبليس الصحراء فيه، أماكن حين يمر بها الآن، وتمر هي ضاغطة على صدغ الرأس، لا يملك غير أن يرسل آه متكررة حتى تكاد تحرق عشب صدره.
صديق لم يعد أحد من يكاتبه، وحده ساعي البريد الذي ما زال يحفظ بعض الود، يمر بحقيبته الجلدية المتهالكة، ويقرع بابه، ويلقي بدل الرسائل تحية، يشرب كأس الشاي واقفاً، ويشكو له تكهين مهنته التي سممتها الحاسبات الإلكترونية، فلا يجد غير ابتسامة ساخرة مرتسمة على طرف الفم، وكلمات قليلة مانعة: أن الأصدقاء اليوم ما عادوا قادرين من جهلهم أن يفكوا الخط أو يتهجوا الحروف الأبجدية، ليرسلوا رسالة معطرة بالدفء وأختام طوابعها ودّية!
إقرأ المزيد


