مقارنة بين خطتي غزة وأوكرانيا
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في غضون أسبوع، نجحت إدارة ترامب في تمرير قرار من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشأن غزة (بناءً على خطتها السابقة المكونة من 20 نقطة لإنهاء الصراع)، كما أصدرت خطة سلام من 28 نقطة بشأن أوكرانيا.

وقد لاحظ المعلقون والنقاد بعض أوجه التشابه بين المبادرتين. وهناك أيضاً اختلافات جوهرية جديرة بالملاحظة. بادئ ذي بدء، يبدو أن هدف كلتا الخطتين مدفوعٌ بهدفٍ بسيطٍ ومُحمود، وهو إنهاء العنف المستمر في غزة وأوكرانيا. ومع ذلك، يُشير النقاد، أثناء سعيهما لتحقيق ذلك، إلى أن الخطتين منحتا بعض الأطراف قدراً من الاحترام. ففي حالة أوكرانيا، اعتُبر أن الطريق للمضي قدماً هو منح روسيا حق السيطرة على الأراضي في شرق وجنوب أوكرانيا. أما في حالة غزة، فلم يُعرَ اهتماماً لجرائم ارتكبتها إسرائيل ضد الفلسطينيين، على افتراض أن الضحايا سيكتفون بالمساعدات وشكلٍ من أشكال إعادة الإعمار-حتى مع بقاء مستقبلهم، كما يبدو في الخطة، غير محدد وخاضعاً لقرارات أطراف أخرى.

تعود المشاكل في كلتا الخطتين إلى أنهما تمت صياغتهما في البداية من دون مشاركة الفلسطينيين أو الأوكرانيين. تبقى أصول خطة غزة غامضة إلى حد ما، لكن ما هو واضح هو غياب المشاركة الفلسطينية. يقتصر ذكر السلطة الفلسطينية في قرار الأمم المتحدة على الإشارة إلى مشاركتها المستقبلية المحتملة في حال استيفائها لإصلاحات غير محددة، وعندها «قد» يُسمح للسلطة الفلسطينية بتولي دور في غزة بشروط توافق عليها إسرائيل والهيئات الدولية التي أنشأها القرار لإدارة غزة، والتي تتحكم في الأموال وتضع الخطط اللازمة لمساعدتها على التعافي.

أما خطة أوكرانيا، فقد أثارت جدلاً، ففي البداية، زعمت الولايات المتحدة أنها وُضعت بالتعاون مع الروس، بناءً على مسودة روسية. ثم أنكرت أي تدخل أميركي، لتوضح لاحقاً أنها كانت جهداً أميركياً-روسياً مشتركاً. وبعد معارضة من الأوروبيين وبعض أعضاء مجلس الشيوخ «الجمهوريين»، تواصلت الولايات المتحدة مع الأوكرانيين، وأجرت بعض التعديلات التي قد تكون أو لا تكون مقبولة لدى الجانب الروسي. هنا يكمن أحد أوجه الاختلاف بين الخطتين. فبينما يُعترف بأوكرانيا ككيان ذي سيادة -فإن خطة غزة لا تكتفي بعدم الاعتراف بالسيادة الفلسطينية، بل تبذل جهوداً حثيثة لمحوها. فهي تُخضع الفلسطينيين لأهواء إسرائيل والهيئات الدولية - بقيادة الولايات المتحدة - التي ستكون بمثابة أصحاب السيادة على القرارات التي ستشكل مستقبل الشعب الفلسطيني.

هناك، بلا شك، ما يبدو تلميحاتٍ نحو السيادة الفلسطينية - تلميحاتٌ إلى الاقتراح السعودي الفرنسي، وإشاراتٌ إلى قوة شرطة فلسطينية، واحتمال إشراك السلطة الفلسطينية بعد «إصلاحها».. لكن كل ذلك مشروط بشروطٍ وضعها آخرون، لا باعتبارها حقوقاً أصيلة. ويبدو أن ذلك يُفسد الأجواء الاحتفالية التي رافقت الجلسة الخاصة بفلسطين قبيل افتتاح الجمعية العامة لهذا العام، حيث اعترفت عدة دول بدولة فلسطين. من الأمور المثيرة للقلق بشكل خاص في هذا التهميش للسلطة الفلسطينية هو تجاهل واضعي خطة غزة أو عدم فهمهم لكون إسرائيل قد أمضت ثلاثة عقود في تقويض السلطة.

فمنذ السنوات الأولى التي تلت أوسلو، حرمت إسرائيل الفلسطينيين من حرية تطوير اقتصاد مستقل، لتضمن بقاءهم معتمدين عليها. وحددت إسرائيل المناطق التي يمكن للسلطة الفلسطينية حكمها، بل انتهكت ذلك مراراً بغزو مناطق كانت خاضعة اسمياً لسيطرتها. كما واصلت إسرائيل بناء مستوطنات وبنى تحتية لليهود فقط، ولعبت أوراقاً سياسية مع حماس في غزة، غالباً بطرق رفعت مكانة الحركة على حساب السلطة. واليوم، بينما لا تزال السلطة الفلسطينية تمثل مفهومياً وعد الدولة الفلسطينية، فإنها يُنظر إليها بشكل متزايد في الضفة الغربية على أنها تابعة لإسرائيل أكثر منها كياناً مستقلاً يتمتع بالحكم الذاتي ويمثل تطلعات الفلسطينيين.

وفي حين أنه من الواضح أن«حماس» قد فقدت شعبيتها بين الفلسطينيين في غزة، فإن السلطة الفلسطينية تحظى بتأييد أقل في استطلاعات الرأي في الضفة الغربية. لذا، عندما تُصرّ خطة غزة على إصلاح السلطة الفلسطينية، فإن الأسئلة التي يجب طرحها هي: «ما هي هذه الإصلاحات تحديداً؟» «هل تستطيع السلطة الفلسطينية تنفيذ إصلاحات في ظل استمرار الهيمنة الإسرائيلية على الضفة الغربية؟» و«مع كون إسرائيل أحد الأطراف المُعيّنة لوضع معايير الإصلاح، وبعد استيفاء المعايير الإسرائيلية، هل ستتمتع السلطة الفلسطينية بالمصداقية اللازمة للحكم، أم ستُعتبر وكيلاً للسيادة الحقيقية، إسرائيل؟»

وأخيراً، في حين أن النسخة الأولية من خطة أوكرانيا تتضمن بعض القيود على روسيا - حتى قبل التقارير الأخيرة عن التعديلات الأوكرانية التي لم تُنشر بعد - لا توجد مثل هذه القيود المفروضة على إسرائيل في خطة الأمم المتحدة بشأن غزة. حتى «وقف إطلاق النار» المتفق عليه لا يزال بعيد المنال، حيث تتصرف إسرائيل بلا رادع باعتبارها المنفذ الوحيد لوقف إطلاق النار.

ولأن إسرائيل لا تزال تسيطر على الوصول إلى والخروج من أقل من نصف غزة التي انسحبت منها جزئياً، لا يزال الفلسطينيون إلى حد كبير من دون مأوى وغذاء وخدمات طبية كافية مع اقتراب فصل الشتاء. لا تزال أشهر تفصلنا عن بدء تنفيذ خطة الأمم المتحدة بشأن غزة بالكامل. وعلى الأرجح لن يحدث ذلك، إذ تُصرّ إسرائيل والولايات المتحدة على فرض شرط مسبق غير واقعي، وهو نزع سلاح حماس وتفكيكها بالكامل قبل أي تقدم يُتم إحرازه. ويبدو أن ما يُطرح هو خطة أميركية إسرائيلية لتطوير مشاريع إسكان للفلسطينيين في مناطق غزة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. وستسعى هذه الخطة إلى جذب بعض الفلسطينيين اليائسين للانتقال إلى المنطقة الإسرائيلية، ما يعني التخلي عن أولئك الذين يبقون في المنطقة الخاضعة لحماس لمستقبل غامض.

وهذا يُطابق في الواقع تعريف نية الإبادة الجماعية. كان أحد الفروق الحاسمة في تطوير الخطتين هو الأدوار التي لعبتها القوى الخارجية. إذ تحظى أوكرانيا بدعم كتلة أوروبية شبه موحدة، إلى جانب دعم «جمهوريين» أميركيين مدفوعين بمعارضتهم لروسيا. وقد ساعد ذلك في تخفيف حدّة الخطة الأميركية ذات الـ28 نقطة. أما خطة غزة، فبالرغم من أنها بدأت كمسودة عربية وتمكن العرب وغيرهم من إدراج بعض التعديلات على قرار الأمم المتحدة بشأن القطاع، إلا أنه بعد أن قامت الولايات المتحدة وإسرائيل بتجريدها من معظم مضمونها ووضع الرئيس ترامب لمساته عليها ودفعها بقوة عبر آليات الأمم المتحدة، اختفت حقوق الفلسطينيين تماماً.

لم يفت الأوان بعد على العرب للمطالبة بشروط أفضل، وعلى الفلسطينيين ترتيب أمورهم الداخلية بوضع خطة وطنية موحدة للحكم في الضفة الغربية وغزة، وعلى العرب والفلسطينيين الإصرار على أن تقوم الدول التي اعترفت بالدولة الفلسطينية بإعادة فتح النقاش حول مستقبل فلسطين. إذا لم تُجرَ أي تغييرات، فسنعود، للأسف، إلى حيث بدأنا.

*رئيس المعهد العربي الأميركي- واشنطن



إقرأ المزيد