بعد تنصيبه رسمياً، هل يحافظ ممداني على زخم وسائل التواصل التي ساهمت في جعله عمدة لنيويورك؟
أيلاف -

مع مطلع عام 2026، أصبح زهران ممداني أول أمريكي مسلم ينحدر من جنوب قارة آسيا يتولى منصب عمدة نيويورك رسمياً، وذلك بعد حفل تنصيب أقيم في محطة مترو "أولد سيتي هول" أسفل مبنى إدارة المدينة، تعهد خلاله بالعمل من أجل جميع سكان نيويورك، حتى أولئك الذين لم يصوتوا له.

ولاشك في أن المقاطع المصورة على وسائل التواصل الاجتماعي قد ساهمت في دفع ممداني وسياساته اليسارية إلى فوز مفاجئ في الانتخابات التمهيدية لرئاسة بلدية نيويورك، ثم إلى النصر في الانتخابات التي جرت في نوفمبر/ تشرين الثاني.

وقال مختصون لبي بي سي إن الاشتراكي الديمقراطي البالغ 34 عاماً، استطاع استقطاب سكان نيويورك – وخصوصاً الناخبين الشباب الذين يقضون الكثير من وقتهم في "التصفح السلبي" - من خلال استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك لبناء صورة لإنسان صادق ومرح.

ومع ذلك، فبعدما أدى اليمين الدستورية كرئيس للبلدية في الأول من يناير/كانون الثاني، سيكون التحدي التالي الذي يواجهه هو الحفاظ على هؤلاء المؤيدين أنفسهم في صفه، مع الحفاظ على الزخم الذي حققه خلال توليه منصبه.

وفي خطابه خلال حفل التنصيب، قال ممداني: "سنكون محط متابعة لدى كثيرين فهم يريدون أن يعرفوا ما إن كان يمكن لليسار أن يحكم".

وبعد أن أصبح أول رئيس بلدية لمدينة نيويورك يؤدي اليمين الدستورية واضعاً يده على نسخة من القرآن الكريم، قال ممداني للآلاف الذين تجمعوا لمشاهدة حفل تنصيبه في البرد القارس، إنه سيمثل الجميع في المدينة.

وقال: "أنا لا أقف بمفردي، بل أقف إلى جانبكم"، مضيفاً "أعدكم بهذا: إذا كنتم من سكان نيويورك، فأنا رئيس بلديتكم".

ووفق استطلاع وكالة أسوشيتد برس، صوت نحو ثلاثة أرباع الناخبين في نيويورك الذين تقل أعمارهم عن 30 عاماً لصالح ممداني.

وقالت جين هول، أستاذة الإعلام في الجامعة الأمريكية، إن استراتيجية ممداني القوية على وسائل التواصل الاجتماعي نجحت في استقطاب هؤلاء الناخبين عبر تقديم صورة لمرشح سياسي يتوق إليه الشباب، المحبطون من المرشحين الأكبر سناً والأكثر رسوخاً.

وترى هول أنه "لا يُشترط أن يكون المرشح شاباً للتواصل مع الناخبين الشباب، لكن أعتقد في ضرورة النظر إليه كإنسان صادق يتحدث عن هموم الناس بطريقة عصرية، بما يجعلهم يرغبون في الانضمام إلى التيار السائد".

أما جاك براتيش، أستاذ الصحافة في جامعة روتجرز المتخصص في الثقافة السياسية ووسائل التواصل الاجتماعي، فقال إن ممداني أظهر قدرته على الجمع بين خفة الظل والنقاش الجاد.

وقالت جينيفر سترومر-غالي، التي تُدرس الإعلام والعلوم السياسية والدراسات البلاغية في جامعة سيراكيوز، لبي بي سي، إن هذا الشعور بالمرح يتناقض مع السلبية التي اتجه نحوها الرئيس دونالد ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي.

جانب من لقاء بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس بلدية نيويورك زهران ممداني في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي في البيت الأبيض
Reuters
ترامب وممداني خلال لقاء ودي غير متوقع في البيت الأبيض في نوفمبر/ تشرين الثاني

ورغم اللقاء الأول الودي غير المتوقع الذي جرى في نوفمبر/ تشرين الثاني بين ترامب وممداني، حين قالا إنهما اتفقا على عدد من القضايا التي تواجه مدينة نيويورك مثل أزمة غلاء المعيشة، إلا أن الاثنين اصطدما قبل ذلك خلال سباق انتخابات رئاسة البلدية.

وقد وصف ترامب، ممداني، بأنه "مجنون" ومتطرف، مهدداً بقطع التمويل الفيدرالي عن المدينة إذا فاز ممداني، وقال إنه سيعتقله إذا وقف في طريق تطبيق قوانين الهجرة.

وفي ليلة الانتخابات، رد ممداني على الرئيس خلال خطاب النصر، "للوصول إلى أي منا، سيتعين عليك المرور من خلالنا جميعاً".

حينها، أثار ذلك التصريح هتافات صاخبة من مؤيديه، لكن مختصين يقولون إن واقع الحكم قد يتطلب التعامل مع إدارة ترامب بطريقة واقعية. ولعل ذلك اللقاء الودي في نوفمبر/ تشرين الثاني كان مؤشراً مبكراً على استعداد ممداني لذلك.

ولربما تكون طريقة تعامله مع البيت الأبيض، ونوع العلاقة التي ينمّيها مع الرئيس، حاسمة في سبيل تنفيذ أجندته.

فرغم سهولة التعهد بـ "تغيير سريع وشامل" في مقاطع مصورة في الحملات الانتخابية، إلا أن الأمور تصبح أصعب عندما يتعلق الأمر بـ "الحكم فعلياً في ظل إدارة معادية"، وفق إيوانا ليتيرات، أستاذة الإعلام في جامعة كولومبيا.

وترى الأستاذة المتخصصة في التنشئة السياسية للشباب عبر الإنترنت، أنه "إذا كان محتواه [على وسائل التواصل الاجتماعي] لا يأخذ بعين الاعتبار تلك العقبات، فإن الشباب ذاتهم الذين جعلوه يحقق انتشاراً واسعاً، في إمكانهم تحويل هذه الطاقة إلى خيبة أمل أو رد فعل عنيف".

رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني خلال خطابه بعد تنصيبه رئيساً لبلدية نيويورك
Anadolu via Getty Images
ولاية ممداني ستمتد لأربع سنوات

ولكي ينجح ممداني في منصبه، سيحتاج إلى إبقاء مؤيديه منخرطين في الحكم اليومي، وهذا أمر لا يثير الحماسة كسباقات السياسية ذات المخاطر العالية، وفقاً لما قال جوناثان ناجلر، المدير المشارك في مركز وسائل التواصل الاجتماعي والسياسة في جامعة نيويورك لبي بي سي.

وقال ناجلر: "من السهل حشد الناس لمعارضة ترامب. إنهم يختلفون مع ترامب في الكثير من الأمور، إذا كنا نتحدث عن ناخبي مدينة نيويورك".

ومع ذلك، فإن "الأمر الأصعب بكثير هو الذهاب إلى وسائل التواصل الاجتماعي والقول: مرحباً، مجلس مدينة نيويورك يقف في طريقي. أحتاج منكم أن تغضبوا لإقناع المجلس لفعل شيء ما" على حد تعبير ناجلر.

وأضاف أن توعية بعض هؤلاء الناخبين بشأن كيفية عمل حكومة المدينة قد يمثل تحدياً.

ويرى الأستاذ براتيش من جامعة روتجرز أنه "كحال جميع الحملات الانتخابية، فإن الانتقال إلى الحكم عبر وسائل الإعلام أمرٌ معقد".

ورأى أن إحدى الاستراتيجيات للحفاظ على زخم حملته الانتخابية قد تكمن في تحويل متابعيه على وسائل التواصل الاجتماعي إلى منظِمين فاعلين على مستوى القاعدة الشعبية، فوسائل التواصل الاجتماعي كانت "البوابة الرئيسية لعملية ميدانية ضخمة وهيئة تطوعية من الشباب" لعمدة نيويورك المنتخب.

"حتى عمدة الإنترنت لا يستطيع تغيير أي شيء"

خلال الحملة الانتخابية،، وجهت منشورات ممداني، المتابعين باستمرار نحو المظاهرات وفعاليات التواصل مع الناخبين وحملات التسجيل وأشكال أخرى من المشاركة الفعالة - ما أدى في النهاية إلى الوصول إلى أكثر من 100 ألف متطوع.

واستدركت ليتيرات قائلة: "لكن إذا تعثرت إدارته واستمرت منشوراته في تقديم وعود أكثر مما يستطيع تحقيقه، فقد يؤدي ذلك إلى ترسيخ شعور لدى الناخبين الشباب بأن 'حتى عمدة الإنترنت لا يستطيع تغيير أي شيء'".

وأضافت أن "هذا الخطر الأوسع على سمعته هو جزء مما يجعل وسائل التواصل الاجتماعي في عهد حكمه ذات أهمية بالغة".

ولم تتلق بي بي سي رداً من فريق ممداني الانتقالي على طلب للتعليق.

ومع ذلك، هناك أمارة رئيسية واحدة على الأقل تشير إلى أن الزخم الشعبي المحيط بممداني سيستمر.

ففي نوفمبر/تشرين الثاني، أعلن حلفاء ممداني عن تأسيس جماعة مناصرة جديدة تهدف إلى استغلال قاعدة متطوعيه الواسعة لجمع تبرعات لدعم أجندته.

وأسس متطوعون من أنصار ممداني وأعضاء من حزب الاشتراكيين الديمقراطيين في نيويورك، هذه المنظمة غير الربحية، التي تحمل اسم "وقتنا من أجل نيويورك ميسورة التكلفة".

ورغم أن هذه المنظمة منفصلة قانونياً عن ممداني وفريقه، إلا أنها تؤكد أنها تركز على دفع أجندة رئيس البلدية المنتخب لمكافحة غلاء المعيشة عبر "طرق الأبواب والاتصالات الهاتفية والتواصل والتنظيم على مستوى الحي والمدينة والولاية".

يذكر أن حفل أداء اليمين الدستورية لممداني، أقيم الخميس داخل محطة مترو الأنفاق التاريخية التابعة لبلدية المدينة، والتي أصبحت الآن مهجورة بالنسبة للنقل العام.

وقال ممداني إن توليه منصب عمدة نيويورك "شرف أعتز به طوال العمر"، مضيفاً "لا أطيق صبراً لرؤية الجميع غداً مع بداية ولايتنا".



إقرأ المزيد