يوم العزم.. قراءة في لحظة فاصلة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 في «يوم العزم»، لا تُستعاد الذاكرة بوصفها أرشيفاً للأحداث، بل باعتبارها سجلاً للمواقف الكبرى التي تُقاس بها الدول عند الشدائد. لم يكن هذا اليوم لحظة انفعال، ولا ردّ فعل عابر على خطرٍ طارئ، بل كان تعبيراً عن وعيٍ سياسي وأخلاقي تشكّل في سياق إقليمي بالغ الحساسية، حيث بات الإرهاب يستهدف الأوطان في أمنها، ومجتمعاتها في طمأنينتها، ومنجزاتها في استقرارها. ومن هنا جاء العزم خياراً محسوباً، يضع حماية الإنسان وأمن الدولة في صدارة الأولويات، ويؤكد أن ترك التهديد يتفاقم ليس حياداً، بل مخاطرة بمصير المنطقة بأسرها.
لا شك في أن «يوم العزم» سيظل مرتبطاً بحماية الأمن القومي العربي، وبمنع انزلاق المنطقة إلى فوضى شاملة لو تُركت دون ردع لامتد أثرها إلى ما هو أبعد من حدود دولة بعينها. لقد كان الخطر حقيقياً، واستهداف المدنيين والمنشآت الحيوية رسالة واضحة بأن الإرهاب لا يعترف بالقانون ولا بالقيم، وأن مواجهته ضرورة لا خيار. وفي هذا السياق، جاء موقف دولة الإمارات دفاعاً عن حق الشعوب في العيش بأمان، ورفضاً لتحويل الجغرافيا العربية إلى ساحات مفتوحة للميليشيات والتنظيمات المتطرفة.
وتكمن أهمية يوم العزم في أنه شكّل لحظة كاشفة لطبيعة الدولة حين تُختبر. فقد أثبتت الإمارات أنها دولة هادئة في خطابها، واضحة في أهدافها، وحازمة في قراراتها، لا تنجرّ إلى الفوضى، ولا تساوم على أمنها وسيادتها. كان ذلك اليوم شاهداً على انتقال الدولة من منطق التحصين الداخلي إلى منطق الفعل المسؤول، القائم على إدراك أن أمن الداخل لا ينفصل عن أمن المحيط، وأن الاستقرار قيمة يجب الدفاع عنها حين تُهدَّد، لا الاكتفاء بالتحسر عليها بعد ضياعها.
وفي عمق هذا الموقف، تبرز رسالة الإمارات بجلاء، فهي دولة سلام، لكنها لا تقبل أن تكون هدفاً للعبث، دولة لا تبحث عن المواجهة، لكنها لا تتردد في الدفاع عن أمنها وأمن أشقائها حين يصبح الخطر واقعاً. لقد اقترن القرار الأمني بنهج سياسي متزن، يرفض منطق الانتقام، ويؤمن بأن مواجهة الإرهاب تكون بحماية المجتمعات، وتجفيف منابعه، ومنع تمدده، لا بتوسيع دائرة الصراع. لذلك جاء الموقف الإماراتي جامعاً بين الحزم والمسؤولية، وبين القوة والالتزام الأخلاقي.
أما البعد التاريخي ليوم العزم، فيكمن في كونه علامة فارقة في مسار الدولة الحديثة، التي أثبتت أن بناء التنمية لا ينفصل عن صون الأمن، وأن الحفاظ على نموذج الدولة الآمنة المنفتحة يتطلب يقظة دائمة واستعداداً لتحمل الكلفة حين تفرضها الظروف. لقد رسّخ هذا اليوم مفهوم الدولة المسؤولة، التي تدرك أن التهاون أمام الخطر يضاعف ثمَنه، وأن الوقاية، مهما بدت صعبة، أقل كلفة من ترك الفوضى تتكرس.
وفي هذا الإطار، تتجلّى البطولة في معناها الأصدق، لا بوصفها صورة إعلامية أو خطاباً عاطفياً، بل كقيمةٍ عملية جسّدها رجال أدّوا واجبهم بصمت وشرف. لقد وقف أبناء الإمارات في الصف الأول دفاعاً عن وطنهم، وعن أمن عربي مشترك، وهم يدركون أن ما يقومون به يتجاوز حدود الجغرافيا إلى حماية مستقبلٍ مهدد. كانت التضحية التي قدّموها فعل وعي وإيمان، لا اندفاعاً، ورسالة واضحة بأن الأمن العربي مسؤولية جماعية، وأن التفريط به في مكان يفتح الباب لاهتزازه في أماكن أخرى.
إن استهداف دولة الإمارات قبل أربعة أعوام كان في حقيقته محاولة بائسة للنيل من نموذج فريد في الرخاء والاستقرار والتعايش والتسامح في المنطقة والعالم، نموذج يفضح، بسطوع نجاحه، ما تخلّفه مشاريع العدوان من خراب وبؤس في أوطانها. فهو اعتداء على فكرة النجاح نفسها، وسعي لفرض واقع مظلم، لأن مشروع المعتدي لا يقوم إلا على التدمير ونفي الأمل.
غير أن فشل المحاولة اليائسة تجلّى بوضوح في استمرار نبض الحياة في الإمارات دون انقطاع، مدفوعاً بترسّخ عميق لشعور الأمن والطمأنينة. فقد توحّد المواطنون والمقيمون على ثقة راسخة بقوة الدولة ومنعتها واستعدادها لمواجهة كل التحديات، وبقدرتها على دحر التهديدات بأكثر أشكال الرد تأثيراً، معبّرين عن حبهم لهذا الوطن واعتزازهم بقيادته الرشيدة.
من هنا، يبقى يوم العزم عهد وفاء للشهداء، وتذكيراً دائماً بأن الأوطان لا تُحمى بالشعارات، بل بالمواقف الصعبة التي تُتخذ في لحظات الخطر. وهو رسالة للأجيال بأن الاستقرار الذي نعيشه اليوم هو ثمرة عزمٍ وحكمةٍ وتضحيات، وأن دولة الإمارات، وهي تمضي في مسيرتها التنموية، ستظل ثابتة على مبدأ حماية أمنها وأمن أشقائها، متمسكة بقيمها، وواعية بأن التاريخ لا يرحم التردد حين يكون الخطر واضحاً.
*كاتب إماراتي

 



إقرأ المزيد