جريدة الإتحاد - 1/19/2026 10:32:00 PM - GMT (+4 )
لم تكن الحرب بين روسيا وأوكرانيا مجرد نزاع حدودي أو أزمة سياسية عابرة، بل شكّلت لحظة كاشفة لعودة الجغرافيا إلى قلب الصراع الدولي، بوصفها عاملاً حاسماً في إعادة تعريف الأمن، الاقتصاد، الهوية، ومجالات النفوذ. وأعادت إحياء منطق «الحدود المتقدمة» و«العمق الاستراتيجي»، وفتحت الباب أمام إسقاطات أوسع تمتد من شرق أوروبا إلى أقصى الشمال، حيث تبرز غرينلاند اليوم كمساحة جيوسياسية صاعدة في حسابات الولايات المتحدة وأوروبا، في مشهد يعكس تشابهاً بنيوياً بين الأزمتين، رغم اختلاف السياقات.
في الحالة الأوكرانية، تُمثِّل الأزمة نتاجاً لتقاطع ثلاثة أبعاد رئيسية: سياسي يتمثل في توسُّع حلف الناتو شرقاً، وعسكري يرتبط بهواجس روسيا التاريخية من فقدان عمقها الدفاعي، وجغرافي يُعيد أوكرانيا إلى موقع «الدولة العازلة» بين الشرق والغرب. روسيا نظرت إلى أوكرانيا ليس فقط كجار، بل كجزء من فضائها الحيوي، وكمسألة هوية وأمن قومي. في المقابل، تعامل الغرب مع أوكرانيا كخط دفاع متقدم عن النظام الأوروبي الليبرالي، وكحلقة مركزية في منع عودة النفوذ الروسي إلى المجال السوفييتي السابق. البُعد الأوروبي كان محورياً في هذه الأزمة أيضاً، فأوروبا لم تكن مجرد ساحة للصراع، بل طرفاً متأثراً ومشاركاً في آن واحد. فالحرب كشفت هشاشة الأمن الأوروبي واعتماده طويل الأمد على المظلة الأميركية، والواقع الاقتصادي الذي جعل القارة رهينة للطاقة الروسية. وتحوّلت أوكرانيا إلى نقطة ارتكاز أعادت تشكيل السياسة الدفاعية الأوروبية.
هذا المنطق الجيوسياسي يجد صداه، وإنْ بصيغة مختلفة، في العلاقة المتنامية بين الولايات المتحدة وغرينلاند. فالجزيرة القطبية التابعة للدنمارك، لم تَعُد مجرد هامش جغرافي، بل باتت عقدة استراتيجية في صراع القوى الكبرى، فالولايات المتحدة تنظر إلى غرينلاند كمنصة عسكرية متقدمة، وكمفتاح للسيطرة على شمال الأطلسي، وكنقطة توازن في مواجهة روسيا والصين في الفضاء القطبي.
الوجه الجوهري بين الأزمتين يكمن في أن الجغرافيا تحولت إلى عامل ضغط على السيادة الوطنية. وكما وجدت أوكرانيا نفسها محاصرة بين خيارات استراتيجية مفروضة من الخارج، تواجه غرينلاند اليوم معادلة مشابهة، حيث تتقاطع رغبات سكانها في تعزيز الحكم الذاتي والهوية الثقافية المحلية مع مصالح أميركية أوروبية أوسع، وفي الحالتين، يبرز السؤال نفسه، إلى أي مدى تستطيع الكيانات الضعيفة فرض إرادتها في نظام دولي تحكمه توازنات القوة؟
البُعد الأوروبي كذلك حاضر بقوة في أزمة غرينلاند بوصفها دولة أوروبية وعضواً في الناتو، فمسؤوليتها السياسية والأخلاقية تجاه سكان غرينلاند، عدا عن أهمية الجزيرة للاتحاد الأوروبي كمصدر محتمل للموارد الاستراتيجية، وكجبهة جيوسياسية يجب تأميمها، لاسيما في منطقة يتقاطع فيها الأمن مع الاقتصاد، وتتحول الموارد الطبيعية إلى عامل تأزيم للصراع، لا عامل تهدئة، كما يبرز الاقتصاد بوصفه وعداً مستقبلياً ومصدر توتر في آن واحد.
أما البُعد الثقافي والهوياتي، فيظهر تشابهاً لافتاً بين السياقين، فأوكرانيا لم تَخضْ حرباً على الأرض فقط، بل حرباً على تعريف الذات والانتماء، من حيث كونها جزءاً من الفضاء الروسي التاريخي أو كياناً أوروبياً يجمع البعدين السياسي بالثقافي. وفي غرينلاند تتمحور الأزمة حول المحافظة على الخصوصية الثقافية في ظل أطماع متزايدة من قبل القوى الكبرى.
في المحصلة، تكشف المقارنة بين الحرب الروسية الأوكرانية، والاهتمام الأميركي بغرينلاند عن حقيقة أعمق، حيث تكون الجغرافيا هي المحور، وتتداخل القوة العسكرية مع الاقتصاد، وتُستدعى الهوية والثقافة لتبرير خيارات استراتيجية كبرى، وتكون أوروبا ليست مجرد مراقب، بل ساحة اختبار لقدرتها على التحول من تابع أمني إلى فاعل استراتيجي مستقل. وبين أوكرانيا وغرينلاند، يتضح أن صراعات المستقبل تبدأ دائماً بإعادة رسم الجغرافيا.
*كاتبة إماراتية.
إقرأ المزيد


