جريدة الإتحاد - 1/20/2026 11:56:06 PM - GMT (+4 )
أخذ الإسلام السّياسي، في أكثر مِن بلاد، وقته ودوره في السُّلطة، بعد تقديم شعاراته في المعارضة، أنه سيحقق العدل الإلهيّ على الأرض، ويثبّت الدِّين في قلوب الزائغين، لكن لو حقق العدالة، مثلما قدّمها، وهو في المعارضة، لا يأتي اليوم الذي يثور عليه الذين جذبتهم شعاراته، فأخيراً النَّاس لا تعلك الأفكار أو العقائد، المقدسة أو غير المقدسة، بل ينتظرون التنمية، وعدم جعلهم مشاريع استشهاد، لأجل العقيدة.
مارست ذلك الأحزاب، مِن خارج الإسلام السياسيّ، أيضاً، لكنَّ الأخير مسؤوليته أكبر وأخطر، لأنه ربط عقيدته السّياسية بالله والدين، إذا انتصر فهو بانتصار الدِّين وتأثيره في النَّاس، وإذا فشل حُسبَ فشله على الدّين أيضاً، وهنا يظهر الفصل عنده بين المؤمن والملحد، وفق القُرب منه والبُعد عنه، حتّى لو كان البعيد، المخالف له، حجةً مِن حجج الإسلام وفقهاءه الكبار، فالقيمة ليست المنزلة في الدين إنما المنزلة في السياسة، والمعارض أو المختلف السياسيّ، مهما كان متديناً يغدو متآمراً كافراً، لأنه اختلف مع العقيدة الدينية السياسية، والشّواهد كثيرة.
روي لما «أفضى الأمر إلى عبد الملك بن مروان، والمصحف في حجره يقرأه، فأطبقه، وقال: هذا آخر عهد بك»(البغدادي، تاريخ مدينة السَّلام)، وهي إشارة واضحة أنه سيحكم النَّاس بأسس دنيوية، فالسّياسة والحُكم لهما شأنهما، والروايات تذكر أن عبد الملك كان مشروع فقيه، قبل أن يتولى الخلافة بقليل (المصدر نفسه). وربّما معترض يشكك في الرواية، مع أنَّ الخطيب البغدادي (463هج) نقل الرواية بأسانيد ومِن وجوه مختلفة، لكنه يكفي أن المعلومة بُحثت ودوِّنت في القرن الخامس الهجري.
كذلك ينقل عن الصَّحابي ثُمامة بن عَدِي(بعد 35هج)، أمير صنعاء في عهد عثمان بن عفان(23-35هج)، لما بلغه قتل الخليفة، بعد الانحراف عن بساطة الحكم والمشورة: «طال بكاؤه، ثم قال: هذا حين انتزعت خلافة النَّبوة، من أمة محمَّد (ص) وصارت مُلكاً وجبرية! مَن غلب على شيء أكله»(ابن عبد البر، الاستيعاب)، يغلب على الظَّن أن الوصف ينطبق على الإسلام السياسي، فما السُّلطة في كلِّ صنوفها إلا مغالبة، وحتى الانتخابات التي تريد الأحزاب الدينية النفاذ عبرها إلى السُّلطة هي مغالبة ومفاضلة، وصرف مال وتقديم هذا على ذاك، واستخدام الشّعارات الدّينية فيها لإغراء النّاخبين.
لم يُقدم الإسلام السياسيّ، وقد نال السّلطة لعقود في أكثر مِن مكان وعلى اختلاف المذاهب، النموذج المتكافئ مع العقيدة الدّينية، لأنه سيحكم بالسّياسة لا بالدين، مثلما أشار إلى ذلك ما نُقل عن عبد الملك بن مروان. قد تبيح السِّياسة ما يمنعه الدِّين، في شأن تطبيق العدالة، وهي - أي السُّلطة - بيدها القوة التي تتفرد بها، لتحمي نفسها بشتى السُّبل، وهي تُصيب وتخطئ.
ولأبي العلاء المعري(449هج) ما يُعبر عن الحال: «جَهولٌ بالمَناسِكِ ليس يَدري/أغَيّاً باتَ يَفْعَلُ أم رَشادا/ طَموحُ السّيفِ لا يخْشَى إلهاً/ ولا يَرجو القِيامَةَ والمَعادا»(لزوم ما لايلزم)، والسَّيف هو السُّلطة، سواء كان صاحبها متديناً أو غير متدين، هذه حقيقة مارسها فقهاء كبار عندما تسلموا الزِمام، أباحوا وحرّموا حسب ما اقتضته الّسياسة لا الدّين.
لا نعتبر الجميع، مِن الأحزاب الإسلاميّة، اتخذوا مِن الدّين ستراً، فمنهم مَن اعتقد صادقاً أن السياسة والدّين متلازمان، هذا في المعارضة، لكن عندما جاءت السُّلطة واجهوا الوهم، ولم يفعلوا ما فعله عبد الملك بن مروان، فتعدوا خشية الله لضرورة الحُكم، وكم قُتل مِن رجال الدّين بسيف السلطة الدينية نفسها.
بيد أنَّ الجماهير نفسها، التي صدّقت بالشعارات الدّينية، عادت وثارت عليها، لأنَّ ما طُبق سياسة لا دين، فالأحزاب العقائديَّة جميعاً عندما تقرأ نظرياتها قد تجد فيها مثالية «جمهورية أفلاطون»، لكن عند مواجهة الواقع، تباح «الفرعنة» مِن أجل حماية النّظام، وعندها تخسر هذه القوى السُّلطة والدِّين معاً.
*كاتب عراقي
إقرأ المزيد


