جريدة الإتحاد - 1/30/2026 9:21:25 PM - GMT (+4 )
عندما صعّد الرئيس ليندون جونسون التدخل العسكري الأميركي في فيتنام، منتصف ستينيات القرن الماضي، طمأن الشعبَ بأن النصر حتمي. وقال إن الولايات المتحدة تتمتع بتفوق عسكري ساحق على فيتنام الشمالية والفيتكونج. لكن مع استمرار الحرب، بات من الواضح أنه لا يوجد «أمل في نهاية المطاف». وتآكلت الثقة في التصريحات الرسمية تدريجياً مع فشل واقع ساحة المعركة في التوافق مع الإعلانات والتصريحات المتفائلة الصادرة عن واشنطن. وقد وصف الصحفيون الأميركيون الذين كانوا يقومون بتغطية أخبار الحرب من فيتنام صراعاً أشد غموضاً وقسوةً بكثير من الصراع، الذي صورته إدارةُ جونسون.
فإحصاءات القتلى، والمكاسب الإقليمية، وإعلانات قرب تحقيق النصر.. كلها بدت مجافية للواقع أمام تزايد الخسائر وغياب التقدم الاستراتيجي. ومن هذا التباين المتزايد برز مصطلح «فجوة المصداقية»، الذي يجسّد الهوّةَ المتنامية بين ما تؤكده الحكومة وما يصدّقه الأميركيون.
وقد خلص كثير منهم إلى أنه لم تتم مصارحتهم بالحقيقة كاملةً بشأن المجريات الفعلية للحرب ومآلاتها المحتملة. وكانت العواقب السياسية وخيمة، كما يعرف الجميع، حيث ضعُفت سلطةُ جونسون إلى حدّ اختار معه عدمَ الترشح لولاية رئاسية ثانية في انتخابات عام 1968، وهو قرار غير مسبوق لرئيس أميركي في منصبه. لكن انهيار الثقة لم ينتهِ برحيل جونسون. فقد دخل ريتشارد نيكسون البيتَ الأبيض متعهِّداً بإعادة الصدق والاستقرار، غير أنّ رئاسته سرعان ما غرقت في «فضيحة ووترجيت». وكشفت سلسلةٌ من الإنكارات ثمّ الفضائح عن جهود منهجية لتضليل الرأي العام، وانتهى الأمر باستقالة نيكسون عام 1974. وبحلول ذلك الوقت، كان الشك في السلطة الرئاسية قد ترسّخ بشكل عميق.
واليوم، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تواجه نسخةً حديثة من هذه المشكلة المتكررة. فقد جعلت إدارة ترامب ترحيلَ المهاجرين غير الشرعيين هدفاً محورياً لسياستها، وقدّمته على أنه حملة مركّزة لإبعاد المجرمين العنيفين وحماية الأمن العام. ولتنفيذ هذا التوجّه، جرى نشر أعداد كبيرة من عناصر وزارة الأمن الداخلي ووكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك التابعة لها في مختلف المدن بجميع أنحاء البلاد. ورسمياً، تُوصَف هذه العمليات بأنها دقيقة وقانونية. إلا أن الواقع العملي يُشير إلى حقيقة أكثر تعقيداً، كما تُظهر لقطات الفيديو وشهادات شهود العيان.
وقد أفادت التقارير بأن المداهمات أسفرت عن اعتقال آلاف الأفراد، بمن فيهم مقيمون شرعيون، وفي بعض الحالات، مواطنون أميركيون. وفي مينيابوليس، تُظهر صورٌ متداولةٌ مُسلَّحين مُلثمين يعملون وسط مواجهات متوترة مع السكان. وبينما لا تزال ملابسات كل حادثة محل جدل، أثارت الأدلة المرئية تساؤلاتٍ جديةً حول الانضباط والتناسب والرقابة.
وقد زاد استخدام وسائل السيطرة على الحشود، بما في ذلك الغاز المسيل للدموع، من حدّة القلق العام. وقد ازداد الوضع تعقيداً في مينيابوليس بسبب حادثتي إطلاق نار وقعتا مؤخراً، مما زاد من التدقيق في الإجراءات الفيدرالية وأضعف المبررات المعلنة للإدارة.
فبدلا من تعزيز الثقة في إنفاذ قوانين الهجرة، غذّت هذه الحوادثُ الشكوكَ بأن التفسيرات الرسمية لا تتوافق تماماً مع الأحداث على أرض الواقع. وبالنسبة للعديد من الأميركيين، طغى التصورُ على النوايا، واستمرت الثقة في التآكل. ويشير التاريخ إلى أن هذه لحظة حرجة لأي رئاسة.
فعندما يفقد المواطنون الأميركيون ثقتَهم في صراحة قادتهم أو ضبطهم لأنفسهم، يصبح تحقيق الأهداف السياسية أكثر صعوبةً. وقد استوعب جونسون هذا الدرسَ في فيتنام، وكذلك نيكسون خلال «فضيحة ووترجيت». وفي كلتا الحالتين، أثبتت فجوة المصداقية أنها قاتلة سياسياً. وتواجه إدارة ترامب الآن اختباراً مماثلاً.
فالحكومة التي تفقد ثقةَ شعبها لا تخاطر فقط بالهزيمة التشريعية أو ردة الفعل الانتخابية، بل تخاطر أيضاً بتطبيع حالة عدم التصديق، وهي حالة لا يُؤخذ فيها أي ضمان رسمي على محمل الجد. وبمجرد تجاوز هذا الحد، قد يكون الضرر دائماً ومدمراً ويصعب إصلاحه، لا سيما في ظل بيئة سياسية وطنية مستقطبة.
*مدير البرامج الاستراتيجية بمركز «ناشونال انترست» - واشنطن
إقرأ المزيد


