جريدة الإتحاد - 2/2/2026 11:02:24 PM - GMT (+4 )
للمرة الرابعة منذ ديسمبر الماضي، أكتب عن التحولات الدولية الراهنة التي نجمت أساساً عن تداعيات السياسة الخارجية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، فقبلها بدا وكأن هذه التحولات تنصبُّ أساساً على تطورات تتعلق بالقمة الدولية يمكن وصفها بأنها ذات طابع كمي، فقد تربعت عليها الولايات المتحدة بمفردها منذ تفكك الاتحاد السوفييتي. ومع بداية القرن الحالي بدأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بنجاح في بناء القوة الروسية وعودتها التدريجية كقطب عالمي مؤثر، بالإضافة للصعود الصيني الدؤوب باتجاه القمة. وهكذا بدا وكأننا بانتظار تبلور قيادة ثلاثية للنظام الدولي.
أما بعد سياسات ترامب فقد انضاف لهذا التحول المنتظر تحولٌ كيفي لا يقل أهميةً، ألا وهو التطورات التي لحقت بتماسك التحالف الغربي جراء سياسات ترامب التي بدأت خلال ولايته الرئاسية الأولى بالجدل حول توزيع الأعباء المالية لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، لكنها أحدثت خلال ولايته الرئاسية الثانية شروخاً داخل الحلف نتيجة المطالبات الإقليمية الجديدة من جانب البيت الأبيض، كما في حالتي كندا وجرينلاند بصفة خاصة، ناهيك عن الملاسنات بينه وقادة أوروبيين بارزين.
وكان طبيعياً أن تترتب على سياسات ترامب تداعيات بدأت خجولة أوروبياً، لكنها تصاعدت بعد إصراره على ضم وتملك جرينلاند التابعة للدنمارك. ثم جاءت زيارة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني للصين، الشهر الماضي، والتي شهدت توقيعَ اتفاقية شراكة استراتيجية معها، لتكون مؤشراً مهماً على ما يمكن أن يحدث من تحولات كيفية داخل التحالف الغربي، قد ينسلخ بموجبها المتضررون من سياسات ترامب عن التحالف مع الولايات المتحدة.
وبدا خطاب كارني أمام منتدى دافوس الاقتصادي وكأنه «مانيفستو» لهؤلاء المتضررين، خاصة وقد لقي ذلك الخطاب ترحيباً غير مسبوق داخل المنتدى وخارجه. وفي هذا السياق جاءت أيضاً زيارة كير ستارمر، رئيس الوزراء البريطاني، للصين أيضاً وكأنها ترسم الخطَّ المستقيم للعلاقة بين الصين وهؤلاء المتضررين من سياسات ترامب. ولا شك في أن الزيارة تكتسب أهميتَها من التوقيت الذي تمت فيه إذ جاءت في ذروة التوتر الأميركي الأوروبي حول جزيرة جرينلاند، وعقب زيارة كارني الشهر الماضي، وقبله الرئيس الفرنسي ماكرون، وهي أول زيارة لرئيس وزراء بريطاني للصين منذ 8 أعوام.
وقد صرح ستارمر خلال اجتماعه بالرئيس الصيني بأنه «من الحيوي أن تُحَسن بريطانيا علاقاتها مع الصين»، وكتب على وسائل التواصل الاجتماعي: «أكدنا التزامنا المشترك ببناء شراكة استراتيجية طويلة الأمد تفيد بلدينا، مع تأمين حوار مفتوح حول المسائل الخلافية». ومن جانبه، شدد الزعيم الصيني على ضرورة أن «تعزز الصين وبريطانيا الحوار والتعاون».
وقد أثارت زيارة ستارمر للصين استياءَ ترامب فصرح بأنها تمثل «أمراً خطيراً بالنسبة لهم»، وأضاف أن السعي لعلاقات أوثق مع القوة العظمى المنافسة أمر خطير جداً.
ولا شك في أن التطورات المتعلقة بالتقارب بين الصين ودول فاعلة في التحالف الغربي تزعج ترامب، وتتحدى سياساته، ولا شك في أنه لبريطانيا وزن أكبر في إحداث هذا الانزعاج، فهي الحليف الوثيق للولايات المتحدة منذ تسلمت منها قيادة التحالف الغربي عقب الحرب العالمية الثانية، وكانت شريكها المخلص في معظم عملياتها الخارجية، كغزو العراق على سبيل المثال، وكثيراً ما تم التأكيد رسمياً على العلاقة الخاصة التي تجمعهما. ولذا فدلالة السلوك البريطاني الأخير بالغة الأهمية. ويبقى السؤال المهم حول مستقبل هذه التطورات، وهل تنتهي بانتهاء ولاية ترامب، أم أن مردها عوامل بنيوية تفرض بقاءَها وإن اختلفت التفاصيل؟ تستحق مقاربةُ هذا السؤال مقالةً مستقلة.
*أستاذ العلوم السياسية - جامعة القاهرة
إقرأ المزيد


