الفلسفة بين الجامعة والمدينة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

يبدو أن من أبرز ما عانتْ منه الفلسفة هو توجّه بعض المختصّين فيها إلى إعلاء مكانة الفيلسوف على غيره من المشتغلين بالعلوم والمعارف الأخرى، وبصفة خاصة العلوم الرياضية والعلوم الطبيعية. وبطبيعة الحال، فإن المجال الفلسفي يهتم في الأساس بالقضايا الجوهرية كما يُعنى بتنقيح المفاهيم وبلورتها نظرياً.. لكن يردّ البعض بأنه حتى الرياضيين والفيزيائيين انغمسوا في العلم دون أن يكونوا منفصلين عن المدينة وعن المجال العام في مستواه العملي.
 ويعود ذلك الفهم المنقوص حول وظيفة الفيلسوف إلى انعزال بعض المختصّين في الفلسفة عن الناس وعن الحياة اليومية متجهين نحو حياة الجامعة والمكتبة، بينما المفترض أن تكون وظيفة الفلسفة أعمّ وأشمل من الاقتصار على الدرْس والكتاب.
ويعود احتدام النقاش بين الفلسفة في مجالها المدرسي، وبين الفلسفة في حياة المدينة والمجال العام إلى المرحلة اليونانية، حيث دار النقاش بين الفلاسفة اليونانيين حول الواقع والفكر، وها هو الآن يتجدد كما تجدد في كل العصور السابقة.
ولو قرأنا نظريّةَ جان بول سارتر في كتابه «الوجود والعدم» لوجدنا أن المحاججة التي اعتمد عليها فيما يخص «الغياب»، لإثبات نظريته، رسم أفكارَها الرئيسيةَ انطلاقاً من المقهى الذي اعتاد أن يجلس فيه، حيث ضرب المثال بصديقه «بيير» حول الوجود والغياب والعدم، وهذا مفصّلٌ في الكتاب المذكور.
 وفي سياق مشابه، نطالع نقاشاً مهماً عنوانه «الفيلسوف والمدينة»، وهو سجالٌ بين الفيلسوفيْن الفرنسيين روجي بول دروا ورافييل انتوهوفن، وقد جرى ونُشر على صفحات مجلة «لوبوان» وترجمه إلى اللغة العربية عبد الوهاب البراهمي وأُعيدَ نَشره في مجلة «حكمة». وسأعرضُ هنا النتيجةَ التي توصل إليها كلّ من الفيلسوفين.
 يقول بول روجي بول دروا إن «الفلاسفة أصبحوا في الأغلبية موظفين، وأساتذة.. إنها حركة حديثة العهد تعود بدايتها إلى نهاية القرن الـ 18 مع إيمانويل كانط، ثم مع هيجل، الأستاذ الكبير في برلين. لكننا نجد قبلهما، في تاريخ الفلسفة كثيراً من الفلاسفة ليس لهم أي شان بتدريس الفلسفة، مثل ديكارت».
ثم يضيف دروا: «أن نُتَهَمَ بممارسة (فلسفة يوم الأحد) فهو اتهام يتصّل، كما يبدو لي، بهذا التوتّر الحديث الذي يجعل الفلسفة تخصّصاً جامعياً، يجب ألا يكون مشروعاً إلاّ إذا كان أكاديميّاً. لقد قال برجسون ذات يوم: توجد مسألة فلسفية كبرى لا يمكن التعبير عنها بلغة الحياة اليوميّة، وسأكون أوّل من يفكر بأن الفلسفة الجامعية ليس لها احتكار الفكر ولا فكر الفلسفة، ولا تملك لوحدها تعريفَ هذا التمرين ولا هذا التخصّص».
والآن نأتي إلى رأي رافييل انتوهوفن الذي ذهب إلى أنه «لحصر الفلسفة في الجامعة فضائلُه، إذ الفلسفة معرفة، لكن يوجد تكبّر أكاديمي أو جامعي يختزل الفيلسوف في أستاذ فلسفة، والفلسفة في تاريخ الفلسفة. لا يوجد مَن يسخر من (فيلسوف الأحد) سوى الجامعيين».
ويتضح من هذين الرأيين المتباينين مستوى الصدام بين النظريتين. والخلاصة، في رأيي، أنه من الصواب حصر الفلسفة في الجامعة ونفي مَن يتفلسف خارجها، وبالمقابل فإن ازدراء فيلسوف المدينة للأكاديميين هو أيضاً موقف لا يخدم المجالَ الفلسفي.
 إن التكامل بين تينك النظريتين يمكن أن يساعد في وضع الفلسفة في حالةٍ من الغنى بالمفاهيم والنظريات والإنتاج النظري، حيث إن لكل من المجالين الأكاديمي والمدني مصادر غناه العلمية والمفهومية، ولذا فمن الضروري الاستفادة من كل المنابع الفلسفية، ولا مانع من أن يجمع الفيلسوف بين جامعته وساحات مدينته!


*كاتب سعودي



إقرأ المزيد