الإمارات.. نهج ثابت في مواجهة الإرهاب
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

يرتكز إطار دولة الإمارات في مكافحة الإرهاب على منظومة متكاملة من التشريعات القوية والإجراءات الاستباقية. فمنذ عام 1971، جرى التعامل مع الأمن الوطني باعتباره ركناً أساسياً من أركان التنمية والاستقرار.

غير أن الجهود المعاصرة في مجال مكافحة الإرهاب اكتسبت زخماً متزايداً منذ مطلع الألفية الجديدة، في ظل تصاعد التهديدات العابرة للحدود وتنامي التنظيمات المتطرفة على المستوى الدولي.
وفي هذا السياق، يبرز تعامل دولة الإمارات مع جماعة «الإخوان» باعتباره نموذجاً لسياسة قائمة على التقييم الواقعي للمخاطر. فجماعة «الإخوان»، التي تأسست في مصر عام 1928، تطورت إلى كيان إرهابي عابر للحدود له امتدادات وتنظيمات في عدد من الدول. ورغم تقديمها نفسها كحركة اجتماعية سياسية، فإنها وفرت غطاءً أيديولوجياً وفكرياً لعدد من التنظيمات المتطرفة، وأسهمت في تهيئة بيئات حاضنة للعنف وعدم الاستقرار.
وفي عام 2014، كانت دولة الإمارات من أوائل الدول التي صنّفت جماعة «الإخوان» وفروعها المحلية، بما في ذلك تنظيم «الإصلاح»، ككيانات إرهابية. ولم يكن هذا القرار إجراءً ظرفياً أو استجابة آنيّة، بل استند إلى معطيات وأدلة تتعلق بتورط هذه الجماعات في أنشطة تهدف إلى تقويض مؤسسات الدولة وزعزعة الاستقرار ودعم شبكات متطرفة تعمل خارج إطار القانون.
وقد كرّس قرار مجلس الوزراء الإماراتي هذا التوجه من خلال إدراج أكثر من ثمانين منظمة ضمن قائمة الجهات المهددة للأمن الوطني، في تأكيد واضح على سياسة عدم التسامح مع أي كيان يستغل الدين أو الخطاب الأيديولوجي لتحقيق أهداف سياسية تخريبية. وقد لاقى هذا النهج لاحقاً صدىً دولياً، ففي يناير 2026 اتخذت الولايات المتحدة خطوة مماثلة، عبر تصنيف فروع لجماعة «الإخوان» في مصر ولبنان والأردن كمنظمات إرهابية، وهي خطوة رحّبت بها دولة الإمارات باعتبارها تعزيزاً لمبدأ المساءلة الدولية.
وفي هذا الإطار، أكدت وزارة الخارجية الإماراتية أن هذا التطور يمثّل اعترافاً دولياً بالدور الذي لعبته جماعة «الإخوان» في تغذية العنف وعدم الاستقرار، مشددة على أن مثل هذه التنظيمات لا يمكن استرضاؤها أو التعامل معها بدافع المجاملة الدبلوماسية أو الحسابات السياسية المؤقتة.
وما يميّز نهج دولة الإمارات هو ثباته وعدم خضوعه لتقلبات السياق الجيوسياسي. ففي حين انتهجت بعض الدول سياسات انتقائية في إدانة الإرهاب، فشددت في مواقفها عندما توافقت مع مصالحها وتغاضت عنها في سياقات أخرى، حافظت دولة الإمارات على موقف واضح لا لبس فيه... قائم على مبدأ أن الإرهاب بجميع أشكاله يشكِّل تهديداً وجودياً يتجاوز الحدود والهويات والأيديولوجيات.
ويتجلّى هذا الموقف في التزامات دولة الإمارات العسكرية والأمنية، حيث شاركت بقواتها إلى جانب الولايات المتحدة في ست مهام ضمن تحالفات دولية، وهو عدد يفوق مشاركة أي دولة عربية أخرى في مواجهة تنظيمات مصنفة إرهابية مثل «داعش» و«القاعدة» و«حزب الله». وعلى الصعيد الداخلي، تضطلع اللجنة العليا لإدارة الأزمات والكوارث والأعمال الإرهابية في أبوظبي بدور محوري في قيادة استراتيجية وطنية متكاملة لمكافحة الإرهاب، تعتمد على توظيف التقنيات الذكية لرصد الشبكات المتطرفة وتعطيل أنشطتها.
وعلى المستوى الدولي، تنعكس هذه الرؤية بوضوح في الدبلوماسية الإماراتية، حيث صادقت الدولة على أكثر من خمس عشرة اتفاقية إقليمية ودولية لمكافحة الإرهاب، وتشارك بفاعلية في الأُطر متعددة الأطراف، بما في ذلك مبادرات الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على الإرهاب الدولي. وفي مايو 2025، شاركت دولة الإمارات في استضافة ورشة عمل مشتركة مع معهد الأمم المتحدة الإقليمي لبحوث الجريمة والعدالة ووكالة الحدّ من التهديدات الدفاعية الأميركية، ركّزت على مخاطر تمويل انتشار الأسلحة، وسعت إلى تعزيز استراتيجيات إقليمية للتصدي لتمويل أسلحة الدمار الشامل.
وتعكس هذه الجهود نهجاً استباقياً قائماً على المبادرة، لا على رد الفعل، كما يمتد هذا النهج إلى ما هو أبعد من إنفاذ القانون ليشمل الوقاية الفكرية. ففي هذا الإطار، تضطلع مبادرات مثل مركز «هداية» لمكافحة التطرف العنيف بدور محوري في تعزيز ثقافة التسامح ومواجهة الخطابات المتطرفة من خلال التعليم، وبناء الوعي، والتفاعل المجتمعي.
وقد حظي هذا النهج الشامل بتقدير دولي متزايد. فقد أشارت تقارير وزارة الخارجية الأميركية، بما في ذلك تقرير عام 2022 حول الإرهاب، إلى التقدم الذي أحرزته دولة الإمارات في مجال مكافحة تمويل الإرهاب وتعزيز التعاون الدولي في هذا المجال.
وفي مقابل السياسات الانتقائية التي تشهدها بعض الدول، حيث تُدان أعمال الإرهاب وفقاً لاعتبارات سياسية أو سرديات ظرفية، يظل موقف دولة الإمارات قائماً على مبدأ ثابت ومحايد. فهي لا تميّز بين تنظيم وآخر على أساس الانتماء ولا بين الضحايا على أساس الهوية، بل تعتبر الإرهاب بجميع صوره وأشكاله مرفوضاً ومداناً على نحو قاطع. وقد أسهم هذا الاتساق في تعزيز مكانة الإمارات كعامل استقرار إقليمي، وفي ترسيخ بيئة جاذبة للاستثمار... وفي استضافتها لمبادرات سلام تاريخية مثل الاتفاقيات الإبراهيمية.
وللدول التي تواجه تحديات الإرهاب، تُقدِّم دولة الإمارات درساً جوهرياً مفاده أن الأمن الحقيقي لا يتحقق عبر مواقف انتهازية أو مؤقتة، بل من خلال رفض قاطع للإرهاب دون استثناء. وبهذا النهج، لا تحمي دولة الإمارات مواطنيها فحسب، بل تسهم في تعزيز الأمن والسِّلم الدوليين، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن السلام قيمة غير قابلة للمساومة.

* مستشار برلماني



إقرأ المزيد