فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

أيّد الكثيرون مِن العراقيين «فيتو ترامب» ضد ترشيح نوري المالكيّ رئيساً للوزراء للمرة الثَّالثة، وهو تأييد مغلّف بالخجل، لمَن هو ضد أميركا وتدخّلها، وضد المالكي أيضاً، فحزبه «الدَّعوة» ترأّس الوزارة ثلاث مرات: إبراهيم الجعفري (2005-2006)، ونوري المالكيّ (2006-2014)، وحيدر العبادي (2014- 2018)، والأخير كان على حافة الحزب.
لكن لماذا رُفض المالكي حينها؟ حصل حدثان كارثيان، الأول: واقعة «سبايكر»، وفيها قُتل المئات، و«سبايكر» طيار أميركيّ أُسقطت طائرته هناك في حرب الخليج (1991)، فسُمّيت القاعدة باسمه بعد غزو العِراق، ولكم تصوُّر ما آلت إليه الحال، فهل كان «سبايكر» في زيارة ودية؟ لكن حُكم القوي يكون طاغياً، ويأتي حزب المالكيّ ويقول عن فيتو ترامب: لا نسمح بهذا التَّدخل. وكأنهم أخذوا السُّلطة غلاباً، لا بالأميركان.
كان الشباب الذين عُدّوا بـ (1700) نُقلوا عُزلاً مِن أبناء الجنوب للتدريب في سبايكر، مِن قِبل الحكومة العراقيَّة، والقائد العام كان المالكي، دون تقدير خطورة المنطقة، وسيطرة الجماعات الإرهابيَّة عليها، فنُحروا واحداً بعد آخر، والمسؤولية أمام العراقيين يتحملها المالكي باعتباره رئيساً للوزراء وقائداً عاماً للقوات المسلحة، ورفض استدعاء البرلمان، فهل هي مناصب بلا مسؤوليات؟ وبعد سبايكر جاء هروب قادة إرهابيين مِن السجون، ومباشرةً احتُل ثلث العراق مِن قِبل «داعش»، أما احتلال الموصل فكان لُغزاً، أن تتقدم سيارات بيضاء لتغلب جحافل الجيش بأسرع مما يمكن، وظهر أن أوامر بالانسحاب قد صدرت، حسب ما تحدّث به القادة المنسحبون.
لهذا وضع فيتو مِن قِبل الكيانات الأُخر على تولي المالكي الرئاسة، وكانت إيران مع ترشيحه لولاية ثالثة والأميركان ضدها، وحينها لم يعلن الرئيس الأميركيَ أوباما الفيتو، فقد اكتفى بفيتو الكيانات العراقيَّة، وفي مقدمتها الكيان الكُرديّ، لكن ترامب مختلف، والوضع العراقيّ كان مختلفاً أيضاً، وكذلك الوضع الإيرانيّ لم يعد كما كان، وترامب، مثلما يُقال، ما في قلبه على لسانه، فخرج بفيتو ضد ترشيح المالكيّ، بعد أن استطاع الأخير إقناع «الإطار» (الشيعيّ) بترشيحه، وهو المنفرد بهذا التّرشيح، فلم يضع الإطار خياراً آخر، لذا أُعلن الفيتو، وهو جزء مِن مواجهة إيران، على أنَّ المالكيّ كان خيارها، فالكثير يعتبرونه مسؤولاً عن تشكيل العديد مِن الميليشيات.
إذا كانت الطَّائفيَّة أُشعلت نيرانها، وبدا العراق متشظياً، فالمالكيّ جعلها جوهراً في خطابه الرّسميّ، صار يتكلم، وهو رئيس وزراء العِراق، عن المواجهة بين الإمام الحُسين ويزيد بن معاوية، وهذه الثّنائية تعدّت التّاريخ إلى الحاضر، كان خطاباً غير مطمئنٍ لدى الكثير مِن العِراقيين، فهل تراه تخلّى عن خطابه هذا؟ وعن المصالحة بين العراقيين، فقد رفع عَلَمها بيد لينكّسه باليد الأخرى، ولم يكن فيتو ترامب لهذه القضية بالذات، مع أن الطَّائفيَّة مخيفة، إنما هذا هو الفيتو الذي يرفعه العراقيون ضده، فثماني سنوات مِن رئاسة الوزارة، تعسكرت فيها العشائر، تحت مظلة «عشائر الإسناد» الموالية، وصارت لها مؤتمرات مثلما هي الأحزاب السياسيَّة.
أما أن فيتو ترامب يُعد تدخلاً، فأقول: مَن ثبّت المالكي رئيسا للوزراء(2006)، ومَن وافق على تعيينه (2010)؟ أليس الأميركان! لسنا مع فيتو ترامب، لكن الواقع شيء آخر فالأميركان غزوا العراق ليكون معهم ولهم، بغضّ النظر عمَن كرههم ومن أحبهم، وهذا ما عبّر الهاشميّ الفضل اللَّهبيّ (100هج) وهو الكاره الأمويين والعائش بظلهم: «الله يعلم أنّا لا نُحبكم/ ولا نلومكم أن لا تحبونا» (التبريزيّ، الحماسة)، فالواقع لا يفرضه الحب والكره، إنما تفرضه بينات المصالح، فالمالكي هيمان بالوزارة ويبدو أن الأميركان تبنّوا ما نسيته المرجعيّة الشِّيعية، «المجرب لا يجرب».
*كاتب عراقي



إقرأ المزيد