جريدة الإتحاد - 2/3/2026 11:48:29 PM - GMT (+4 )
مثّل اليوم الدولي للأخُوّة الإنسانية، الذي يوافق الرابع من فبراير من كل عام، مناسبة عالمية ذات دلالة أخلاقية وإنسانية عميقة، تعكس حاجة المجتمع الدولي إلى ترسيخ قيم التعايش السلمي، والاحترام المتبادَل، والتضامن بين الشعوب، في عالمٍ تتسارع فيه التحديات، وتتزايد فيه مظاهر الانقسام والصراع. وقد جاء اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة لهذا اليوم ليؤكِّد أن الأخوة الإنسانية ليست شعاراً مثالياً، بل ضرورة عملية لبناء مستقبل أكثر استقراراً وعدلاً.
لقد انطلق مفهوم اليوم الدولي للأخوة الإنسانية من وثيقة تاريخية مفصلية، هي وثيقة الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك، التي وُقِّعت في أبوظبي عام 2019، وشكّلت علامةً فارقةً في مسار الحوار بين الأديان والثقافات. وقد عكست الوثيقة رؤيةً إنسانيةً جامعةً، تقوم على الإيمان بأن البشر، على اختلاف أديانهم وأعراقهم وثقافاتهم، يشتركون في إنسانيتهم وكرامتهم، وأن هذا الاشتراك يفرض مسؤوليات أخلاقية مشتركة تجاه بعضهم بعضاً.
ويكتسب هذا اليوم أهميةً متزايدةً في ظل ما يشهده العالم من أزمات مركبة، تتراوح بين النزاعات المسلحة، والتطرف الفكري، وتصاعُد خطاب الكراهية، وصولاً إلى التحديات الاقتصادية والاجتماعية، التي عمّقت الفجوات داخل المجتمعات، وبين الدول. وفي هذا السياق تبرز الأخوة الإنسانية بصفتها إطاراً قيمياً يُعيد الاعتبار لفكرة التضامن الإنساني، ويشجّع على معالجة الخلافات بالحوار لا بالمواجهة، وبالتفاهم لا بالإقصاء.
ولا يقتصر مفهوم الأخوّة الإنسانية على البُعد الديني أو الثقافي فحسب، بل يمتد ليشمل منظومةً شاملةً من القيم الإنسانية، مثل العدالة، والمساواة، واحترام التنوع، وصون كرامة الإنسان، وحماية الضعفاء. ومن هنا، فإن إحياء هذا اليوم يشكّل دعوة مفتوحة إلى صناع القرار، والمؤسسات التعليمية، ووسائل الإعلام، والمجتمع المدني، للعمل المشترك من أجل تحويل هذه القيم إلى سياسات وممارسات ملموسة.
وفي هذا الإطار يبرز الدور الريادي لدولة الإمارات العربية المتحدة، التي أسهمت في ترسيخ مفهوم الأخوة الإنسانية على المستويَين الإقليمي والدولي، من خلال دعمها المستمر لجهود الحوار بين الأديان، واستضافتها المبادرات التي تعزّز ثقافة السلام والتعايش. وقد عكست هذه الجهود قناعة راسخة بأن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بالقوة وحدها، بل ببناء جسور الثقة والتفاهم بين المجتمعات.
كما يسلّط اليوم الدولي للأخوة الإنسانية الضوء على أهمية التربية والتعليم في غرس قيم التسامح والانفتاح منذ المراحل المبكرة، إذ تمثّل المدرسة والجامعة فضاءً أساسياً لتشكيل الوعي الجمعي، وتعزيز قبول الآخر، ونبذ الصور النمطية. ويضاف إلى ذلك الدور المحوري للإعلام المسؤول، الذي يقع على عاتقه نقل خطاب متوازن، يسهم في التقريب بين الثقافات، بدلاً من تأجيج الانقسامات.
وعلى الصعيد الفردي يذكِّرنا هذا اليوم بأن الأخوة الإنسانية تبدأ من السلوك اليومي، ومن احترام الإنسان لأخيه الإنسان في العمل، وفي الفضاء العام، وفي الفضاء الرقمي، على حد سواء. فالممارسات البسيطة مثل احترام الاختلاف، والاستماع للرأي الآخر، والتعاطف مع معاناة الآخرين، تُشكّل اللبنات الأولى لبناء مجتمعات متماسكة وقادرة على مواجهة الأزمات.
وفي بُعد آخر تبرز الأخوة الإنسانية بكونها إطاراً مرجعياً لإدارة التنوع في المجتمعات المعاصرة، لا بصفته مصدراً للتوتر، بل رافعةً للتكامل والتكافل. فالعالم اليوم يزداد ترابطاً على المستويات الاقتصادية والثقافية والرقمية، ما يجعل التعايش بين الهويات المختلفة واقعاً يومياً لا خياراً نظرياً. ومن هذا المنطلق تسهم الأخوة الإنسانية في تحويل التنوع إلى طاقة إيجابية داعمةٍ للاستقرار الاجتماعي، وتعزّز الإحساس بالمسؤولية المشتركة، وتدفع نحو بناء فضاءٍ إنسانيٍ قائم على التعاون، واحترام الخصوصيات، والالتزام بالقيم الجامعة التي تحفظ كرامة الإنسان، وتدعم السلم المجتمعي.
ولا يمكن النظر إلى اليوم الدولي للأخوة الإنسانية بصفته مناسبة رمزية عابرة، بل ينبغي التعامل معه بصفته منصة عالمية لإعادة التفكير في شكل العلاقات الإنسانية في عالم متغير، فهو تذكير سنوي بأن مصير البشرية مترابطٌ، وأن التحديات العالمية، من تغيُّر المناخ إلى الأوبئة والنزاعات، لا يمكن مواجهتها إلا بروح التعاون والتضامن، ومن هذا المنطلق تبقى الأخوة الإنسانية خياراً استراتيجياً، وأفقاً أخلاقياً، ومسؤوليةً مشتركةً تقع على عاتق الجميع، أفراداً ودولاً، اليوم وغداً.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
إقرأ المزيد


