«نيودلهي للكتاب».. انتصار ثقافة القراءة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

أقيم الشهر الماضي، معرض نيودلهي العالمي للكتاب في دورته الثالثة والخمسين، وهو أحد أكبر معارض الكتب وأكثرها تأثيراً في آسيا والعالم من حيث النشر وتجارة الكتب، وشهد إقبالاً قياسياً غير مسبوق.

فقد استقطب أكثر من 2.5 مليون زائر خلال تسعة أيام فقط، ما جعله مركزاً ثقافياً وأدبياً مهماً. ويمثّل هذا الحضور الهائل زيادة بنسبة 20% مقارنةً بالعام الماضي، ويعود الفضل في ذلك إلى حدّ كبير إلى قرار المنظمين بتقديم الدخول المجاني للزوار لأول مرة في تاريخ معرض نيودلهي للكتاب. وتجلّى نجاح المعرض في تسجيله أعلى عدد حضور في يوم واحد خلال اليوم الختامي، إذ شوهد نحو 280 ألف شخص يتنقّلون بين القاعات ويزدحمون عند أجنحة دور النشر بفضل عروض الخصومات التي قدّمها الناشرون في اللحظات الأخيرة. وحافظ الحدث على متوسط حضور يومي بلغ نحو 240 ألف زائر.

ومع أكثر من 4000 جناح ومشاركة ما يزيد على 1000 دار نشر من أكثر من 35 دولة، اعتُبر هذا الإقبال الكبير نجاحاً لافتاً لثقافة القراءة. قبل بضع سنوات، سارع عدد كبير من الناشرين إلى طرح النُّسخ الإلكترونية من الكتب في السوق، خشية انخفاض الطلب على النسخ المطبوعة، نتيجةً لانتشار الرقمنة في مختلف المجالات. وقد أثار هذا مخاوف لدى المثقفين ومحبي الكتب على حد سواء، من أن يتجه الجيل الشاب تدريجياً نحو النسخ الرقمية، وأن تصبح النسخ المطبوعة قريباً مجرد ديكورات في غرف الاستقبال أو مقتنيات غير مقروءة. إلا أن حجم المبيعات والمشتريات الهائل للكتب المطبوعة في معرض نيودلهي للكتاب بدّد هذه المخاوف.

وأظهرت التحليلات الرقمية التي أُجريت في موقع الفعالية أن 51% من الزوّار الذين اشتروا كُتباً كانوا دون سن 22 عاماً، وأن 53% منهم قدموا إلى نيودلهي من ولايات عديدة لحضورها. وكانت دولة قطر ضيف الشرف هذا العام، حيث عرضت تراثها وتقاليدها. وعُرض تاريخها وثقافتها وتقدّمها من خلال عروض رقمية في جناحها المُزيّن، مع عروض موسيقية لعازفي العود كل مساء. وكان من المُشجع رؤية زيادة في عدد الأجنحة من الدول العربية، إلا أنه باستثناء دولة الإمارات العربية المتحدة، غابت العديد من الدول العربية الرائدة. وعرض جناح مركز أبوظبي للغة العربية منشوراته، بينما قدّم «المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة» كُتبه باللغات الإنجليزية والهندية والأردية، ما جذب حشوداً كبيرة من الباحثين عن المعرفة.

كان جناح «مجلس حكماء المسلمين» في أبوظبي مكتظاً دائماً، ومحطّ أنظار ليس فقط طلاب اللغة العربية وآدابها، بل أيضا الزوار الآخرين، نظراً لتوافر منشورات في مختلف المواضيع باللغات الهندية والأردية والماليبارية. وكان الطلاب يسافرون خصيصاً من ولايات بعيدة مثل البنغال وكيرالا لشراء الكتب.

إنّ مشاركة مزيد من الناشرين العرب بإصداراتهم في مجالات النثر والشعر المعاصرين، والتاريخ، والنقد، وغيرها من الموضوعات، باتت ضرورة لطلاب اللغة العربية في الهند. ومن المهم أن تحذو دور النشر العربية الأخرى حذو مبادرة «مركز أبوظبي للغة العربية» و«مجلس حكماء المسلمين»، لما في ذلك من فائدة لهم وللطلبة على حد سواء. وقد لا يدرك كثير من الناشرين العرب أن في الهند أكثر من 45 ألف كلية و1160 جامعة متكاملة من شمال البلاد إلى جنوبها، لديها عشرات الآلاف من الطلاب الذين يدرسون اللغة العربية وآدابها. ومن المبادرات البنّاءة الأخرى التي قامت بها مؤسسات وناشرون من أبوظبي إتاحة الكتب للجمهور عبر الحوارات مع الكتّاب، والمناظرات المباشرة، وتنظيم الندوات وحلقات النقاش حول الشؤون الراهنة وقضايا الحياة والاعتدال.

فقد شهد المعرض ثلاث ندوات وحلقات نقاش نظمها «مجلس حكماء المسلمين»، وثلاثاً أخرى نظمها «المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة» في أيام متناوبة، وحضرها عشرات الأكاديميين والشباب والمثقفين، بل وحتى أطفالاً رافقوا ذويهم. وكان حماسهم واضحاً خلال جلسات الأسئلة والأجوبة عقب مناقشات تناولت موضوعات مثل الذكاء الاصطناعي، وتغيّر المناخ، والأخوّة الإنسانية، والاستدامة.

وهذا دليل قاطع على أن المتحدثين ذوي الآراء القيّمة، الذين يقدّمون وجهات نظرهم حول كل شيء، بدءاً من الإنسانية، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي، يدفعون الجمهور إلى إعادة النظر في أفكارهم السابقة، بل وأحياناً إلى إعادة تشكيل آرائهم حول أمور لم تخطر ببالهم من قبل.

وقد تنوعت المواضيع المطروحة: الاعتدال في الدين، والأخوّة في المجتمع، وقيم الأسرة، والرومانسية، وجودة الهواء. ويمكن أن تتناول حلقات النقاش والمحاضرات والندوات أي موضوع يخطر على البال، وهذا هو جمال التفاعلات غير الرسمية على المنصات العامة، إذ تُحفّز عملية التفكير في مواضيع لم تخطر على بال أحد.

*رئيس مركز الدراسات الإسلامية - نيودلهي.
     



إقرأ المزيد