السيدة عقلب
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في عمق إنسانيتنا تسكن عاطفة لا يغيّرها الزمن ولا تتفاعل بالمؤثرات مهما كانت قوتها، قسوتها، أو وتيرة حدوثها، هي علاقة إنسانية فريدة تكبُر بالشوق والتوق والعناق، مَنْ منّا لا يشتاق إلى رائحة أُمه وعناقها وحضنها الذي يحتويك فلا تشعر بالدنيا، بل يصبح العالم بأسْره مِلكاً لك. أقول ذلك، فلديّ صورة وفيها أضع رأسي على صدر أُمي وعلى وجهي ابتسامة تُعبّر عن لحظة سعادة لم أشعر بها منذ فرّق الموت بيني وبينها. 
كانت والدتي خديجة سيدة خجولة، بالكاد تسمع لها صوتاً، وعندما تلبس برقعها ثم عباءتها وتضع شيلتها على رأسها، نعلم أنها في الوضعية الرسمية، فهناك زائر أو هي في طريقها إلى الخارج، حيث يلتزم الجميع بالأعراف وتطبيقها. لقد حجبت ظروف الحياة نور العِلم عن هذه السيدة التي ما إن قام الاتحاد وحثّ المؤسس الباني و«أم الإمارات»، المواطنين من رجالٍ ونساء على الانخراط في صفوف الدراسة، حتى كانت ووالدي من السبّاقين لتلبية هذا النداء، كنا نساعد والدينا على حلّ واجباتهما الدراسية في المنزل، أرى في ذلك علاقة تكافلية أسهمت في ردّنا للجميل وتبادل المنافع عن طريق التعايش والتحمل من جانبهما، أما نحن فقد كانت استفادتنا مُطْلقة. لم تكن هناك مدارس للتراث أو الموروث، بل كانوا هم والمجتمع كله بما فيه مجالس الرجال والنساء بمثابة مدرسة مفتوحة استسقينا منها ما حفظته صدورنا من الأشعار والأمثال والحِكَم والقصص والمرويات والعادات والتقاليد المتناقلة من جيلٍ إلى جيل.
كانت كلمة السّر بيني وبين والدتي عندما أقول لها «السيدة عقلب» وكانت تردّ علي: «الحمد لله أنه ليس عقرب»، والعقلب هو الجمع بين العقل والقلب. فقد كانت ترانا بقلبها ويُخطِّط لمصيرنا عقلها، كانت تحسب الخطوة الثالثة قبل الخطوة القادمة، وتحسب للآخرين ألف حساب، فكلمة ماذا لو كانت، كثيرة الورود، وهناك سيناريوهات تبدأ بالخُطة ألف وتنتهي عند الخطة ياء. ما تعلَّمتُه من السيدة عقلب كان أكثر بكثير مما يتصوره أكبر عقل وفكر، فهناك مواقف تختار فيها الصمت جواباً، وهناك أجوبة مقتضبة، وهناك إسهاب في الشرح، ولكن لا يوجد تبرير أو تحقير أو لوم، بل أبواب ونوافذ تسوق إلى الانفتاح في التفكير، وصولاً إلى حلولٍ مبتكرة لا تعرف صناديق أو حواجز.
للعارفين أقول: كل أسبوع أجمع الأحفاد وأخرج للإفطار معهم في مقهى بالقرب من منزلنا، وكل يوم أتعلّم من هؤلاء شيئاً جديداً لا أقارنه بمدارس «العقلب»، ولكني أشكر الأم التي تُربي أبناءها على راحة النفس والهدوء والبراءة والآدمية، عندما أعود من الإفطار أكتب القصص، وأحفظ الصور، وأتواصل مع والدتهم وأشكرها على جمال ستضعه في مجتمع الإمارات مستقبلاً. تلك الخجولة الرزينة، قولاً وفعلاً، تقول لي: «خالوة.. وايد يستانسون وياك وكأنك وديتهم القمر». فقلت في خاطري: «فكرة جميلة.. ستكون رحلتنا المقبلة إلى أرض وسماء القمر». 
أدعو الله أن يحفظ الإمارات ويديم علينا جمالها وقيادتها الرشيدة وموروثها الأصيل الذي لا ينضب.



إقرأ المزيد