جريدة الإتحاد - 2/16/2026 12:35:37 AM - GMT (+4 )
هناك أشياء هي ضرورية، ولها قيمتها، ولا يستقيم اليوم بطقوسه دونها، يراها الكثيرون في غاية الأهمية، ودليل الاهتمام، ويراها المنشغلون بتعقيدات الحياة ونظريات العيش وفلسفة الوجود أموراً ليست لهم، ولا يمتلكون مهارة التعامل معها، وقد تشغلهم هذه التفاصيل التي يسمونها عن غاياتهم الأسمى في هذه الحياة، وما خلقوا ليعملوه فيها من أجل الإنسان، ومن أجل رغيد العيش، وتطور المجتمعات، وسيادة القيم والمعاني والأخلاق وزرع الجمال في الحياة، ويتمنون لو أن أحداً يفعلها بديلاً عنهم، من تلك الأمور التي يتعفف الباحث والمشتغل بالعلوم وبالعمل الإبداعي، الأدبي والفني عنها، ويتأفف منها الأكاديمي والفنان والمايسترو، مثل أن يطلب من أحدهم معرفة أسطوانة الغاز، ومتى تنتهي، ومن أين يأتي بها، وكيف يحملها، وإذا استدعى الأمر كيف يمكن أن يُركّبها، ويحكم إغلاقها، ويمنع تسرب الغاز منها؟ وهو الذي لا ينام قبل أن يتأكد بنفسه من إطفائها، لأن لديه وسوسة بائنة من تسرب الغاز، وصور متخيلة عن انفجار تلك القنبلة الموقوتة في البيت، وكثيراً ما يفضل الفرن الكهربائي الذي يحل له تلك المشكلة، ويريحه من تعقيدات أسطوانة الغاز التي تشبه ملاكماً قصيراً، متحفزاً للهجوم على الدوام، وكثيراً ما يفعلها تحت الحزام أو يختار ألين الأضلع.
يعني هل من الضروري أن ينشغل الباحث في مركز الدراسات الأنثروبولوجية أو ذاك المنشغل بعلوم الصوتيات والألسن بما تفعله الشغالة في المنزل، والنزاع الذي لا ينتهي مع ربة البيت فيما يخص نظافة الثلاجة، وأن كميات من الخضار قد فسدت قبل حينها جراء سوء تصرفها، وأن عليه أن يركض منذ صباح الاثنين على الجوازات وشؤون إقامة الأجانب لإنهاء أوراق تسفيرها، وعليه كذلك أن يكون طرفاً في النزاع مع مكتب جلب الخدم والمربيات على فلوس الضمان، ومعنى الالتزام.
بصراحة ما هي علاقة «مايسترو» الفرقة الهارمونية بحفاظات الأطفال وقياساتها وأنواعها التي تمنع البلل، وموقعها على أي رف في الجمعية؟ كيف سيكون صباح ذلك «المايسترو» إذا ما تصبّح بمشكلة مع «الدريول» الذي لا يجيد التعامل مع «الغوغل ماب»؟
ما علاقة رسام يتبع المدرسة الانطباعية بحليب الأطفال الإسباني الذي تفضله الزوجة عن غيره لأطفالها، لأنه لا يسبب لهم الإسهال والتلبك المعوي؟ ما ذنبه أن يصحو منذ الصباح باكراً، مثل أي خباز ينتظره أهالي الحي، بدلاً من التأمل في الطبيعة، والموجودات المحسوسة من حوله، يقفز من سريره لجمعية البطين مباشرة لأن لديه قائمة بمتطلبات رمضان الذي ربما يهل يوم الأربعاء أو الخميس؟
أعتقد أن أكثر ما يغيض الشعراء المنتمين، المبدعين من ذوي المعارف، وعميق الاطلاع، لا شعراء الكلمات اللزجة، والقصائد مسبقة الصنع والسبك والحبك أن تطلب من أحدهم الزوج المصون أن يغير «لمبات» الصالة المحترقة، ذات السقف العالي أو تجلس تقص عليه حكاية قَصّتها التي هي الآن الرائجة بين سيدات المجتمع أو الفروق الدقيقة بين موضة الحقائب هذه السنة الصغيرة، واختلافها عن السنة المنصرمة، رغم ارتفاع سعرها، وقتامة لونها، لكنها تتماشى مع عمليات التجميل الكشط والحف والنحت على «ستايل كون كان» أيام زمان!
لماذا يُعذب أستاذ الكرسي، والأكاديمي المتخصص في علوم الأنثروبولوجيا أن يذهب لجبرة «العين» مثلاً، ويتسوق منها نهار الجمعة، ويجلب «حلا» أو «ميوا» البيت!
إقرأ المزيد


