إيلاف من لندن: سلّط "مؤتمر ميونيخ للأمن" في نسخته الأخيرة الضوء على تحوّلات دقيقة في موازين الثقة داخل المعسكر الغربي، تمثّلت في ظهور أميركا أكثر حرصاً على شراكتها مع أوروبا، من دون أن تنجح في تبديد شكوك حلفائها بشأن مدى التزامها الفعلي، في مقابل إبداء أوروبا ميلاً متزايداً للاعتماد على نفسها، خصوصاً على المستوى الدفاعي.
وفي مقابلة مع "وكالة الصحافة الفرنسية"، فصّلت راشيل إليهوس، المديرة العامة للمعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI)، هاتين النقطتين، مشيرة إلى بروز سعي صيني للتقرّب من الأوروبيين و"شغل المقعد الذي تخليه واشنطن"، إضافة إلى عدم اقتناع أوروبي بإمكان التوصل إلى نهاية وشيكة للحرب في أوكرانيا.
رسائل أميركية مدروسة… لكن القلق باقٍ
بحسب إليهوس، وبعد عام من الخطاب الناري لنائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، أرسلت الولايات المتحدة "الناضجين في إدارة (الرئيس) دونالد ترمب؛ أي وزير الخارجية ماركو روبيو، ومساعد الوزير لشؤون الدفاع إلدريج كولبي" لإلقاء خطابات أكثر اتزاناً أمام المؤتمر.
وأوضحت أن الأميركيين "أوضحوا أنّهم يعتبرون أوروبا بمنزلة شريك، وأنّ الولايات المتحدة تعتبر أنّ (حلف شمال الأطلسي/ ناتو) مفيد بالنسبة إليها، وأنّها تريد إنجاح هذه الشراكة"، شرط أن يتولى الأوروبيون زمام الأمور بأيديهم.
وأشارت إلى أن كولبي أدلى بتصريحات "صريحة للغاية"، أكد فيها أن لدى الولايات المتحدة "الكثير من المسؤوليات"، وأن الأوروبيين "يتمتعون بثروة كبيرة"، وقد "حان الوقت كي تتولى أوروبا زمام المبادرة في عمليات الدفاع التقليدية ضمن (حلف شمال الأطلسي)". ولفتت إلى أهمية التأكيد على أن المسؤولين الأميركيين "لم يقولوا إنّ الولايات المتحدة مستعدة للتخلي عن مظلّتها النووية".
مع ذلك، لا تزال تساؤلات كبيرة قائمة لدى العديد من الأوروبيين بشأن مستوى الثقة التي يمكن منحها لواشنطن. وقالت إليهوس: "شاركتُ في اجتماعات مع دول الشمال، لا تزال هذه الدول قلقة للغاية بشأن خطر عودة رغبة ترمب في شراء جزيرة غرينلاند، واحتمال حدوث مفاجآت أخرى".
"الواقعية المرنة" ومخاوف التمييز داخل الناتو
من جهة أخرى، أوضحت إليهوس أن كولبي "استخدم مصطلح (الواقعية المرنة)"، مضيفة: "لا أفهم تماماً كيف يمكن أن تكون الواقعية مرنة"، ومتسائلة: "هل يعني هذا أنّه يمكننا اختيار متى نريد احترام مبادئ الواقعية؟".
وأعربت عن قلقها من أن الولايات المتحدة قد تميّز "أعضاء (الناتو) الجيدين، الذين بذلوا جهوداً مثل ألمانيا والنرويج، على أنّهم يستحقون الدفاع عنهم أكثر من غيرهم" ممن بذلوا جهداً أقل في زيادة الإنفاق الدفاعي، مثل إسبانيا.
كما أشارت إلى "سبب آخر يدعو للقلق"، يتمثل في إشارات روبيو المتكررة إلى "القيَم المسيحية، والروابط الحضارية بين الولايات المتحدة وأوروبا"، معتبرة أن هذه الإشارات تثير مخاوف من تدخل أميركي في الانتخابات الأوروبية لصالح حركات اليمين المتطرّف.
اندفاعة أوروبية نحو دفاع أكثر استقلالاً
في المقابل، رأت إليهوس أن المستشار الألماني فريدريش ميرتس قدّم في خطابه "دفعاً قوياً للغاية باتجاه (ناتو) أكثر أوروبية"، فيما أبدى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر "رغبته في علاقات أوثق مع أوروبا القارية والاتحاد الأوروبي"، ووصفت ذلك بأنه "جريء للغاية على المستوى السياسي".
وأشارت إلى أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تحدث عن "دفاع أوروبي، وليس عن مجرد دفاع للاتحاد الأوروبي، بل دفاع أكثر شمولاً يضم دولاً مثل النرويج وتركيا والمملكة المتحدة".
وأكدت أن "كل هذا يشكّل خطوات جيدة إلى الأمام"، بما يسمح بتقارب الدول الأوروبية الكبرى لصالح الدفاع الأوروبي، "بما في ذلك على الجبهة النووية". لكنها لفتت إلى عقبات تعترض هذا المسار، من بينها أوضاع مالية سيئة تواجهها فرنسا والمملكة المتحدة تحدّ من قدرتهما الاستثمارية، إضافة إلى أن زيادة الإنفاق الدفاعي التي تقررت في إطار "حلف شمال الأطلسي" تحتاج إلى وقت أطول، فضلاً عن صعوبات تنفيذ مشاريع التعاون الدفاعي.
الصين تعرض "وجهاً ودوداً"
في موازاة ذلك، اقترح وزير الخارجية الصيني وانغ يي تعزيز العلاقات مع ألمانيا، و"استئناف" العلاقات مع كندا، وأبدى استعداداً لتقديم "مساعدات إنسانية جديدة" لأوكرانيا، في ظل مواصلة الغزو الروسي.
واعتبرت إليهوس أن بكين "ستكون سعيدة بشغل المقعد الذي تعمل الولايات المتحدة على إخلائه، وبتقديم نفسها على أنّها حارس للتعددية". وأضافت: "لا أحد يصدق ذلك، ولكنّهم (الصينيين) أظهروا وجهاً ودوداً للغاية قد يكون مغرياً للبعض".
وأوضحت أن الأوروبيين "يدركون المخاطر"، لكنهم قد ينجذبون إلى "الفوائد الاقتصادية لعلاقة أوثق مع الصين"، وربما يعتقدون أنهم قادرون على إدارة الآثار السلبية، "ليرتكبوا بذلك الخطأ نفسه الذي ارتكبته الولايات المتحدة قبل سنوات".
أوكرانيا… تشكيك في نيات موسكو
وفي ما يتعلق بالحرب في أوكرانيا، لا يعتقد الأوروبيون أن وقف إطلاق النار أمر وشيك. ورأت إليهوس أن "الشعور السائد هو أنّ روسيا لم تكن صادقة بشأن إنهاء الحرب، وأنّ المفاوضات الحالية ليست سوى محاولة من جانبها لكسب الوقت ومواصلة القتال".
وأضافت أن كثيرين حاولوا دحض السردية القائلة إن الروس ينتصرون، عبر الإشارة إلى "الخسائر الفادحة التي تكبّدوها مقابل مكاسب ميدانية ضئيلة وتدهور اقتصادي وضغوط على المجتمع الروسي"، مؤكدة: "هذا ليس انتصاراً بالمعنى الحرفي للكلمة".


