الجدل الأوروبي- الأميركي في ميونيخ
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

من 13إلى 15 فبراير الجاري، عُقِد مؤتمر ميونيخ الثاني والستون للأمن. وكما كان متوقعاً هيمن الخلاف الأميركي- الأوروبي بسبب سياسات ترامب على فعاليات المؤتمر، وقد رأينا في تطورات سابقة مؤشرات صريحة على تمرُّد أوروبي وغربي بصفة عامة على سياسات ترامب، كما تبدّى بصفة خاصة في زيارة رئيسي وزراء كندا وبريطانيا للصين، وتوصلهما لشراكات معها، وفي ميونيخ انضم المستشار الألماني فريدرك ميرتز بامتياز إلى فريق الناقدين لسياسات ترامب.
وكان خطاب رئيس الوزراء الكندي في دافوس بمثابة «مانيفستو» لمعارضي ترامب، يمكن إسباغ الوصف نفسه على خطاب المستشار الألماني وتصريحاته في ميونيخ، وقد ركّز في خطابه على الانقسام المتزايد بين الولايات المتحدة وأوروبا، وأشار إلى أن النظام العالمي لم يَعُد قائماً، وأن حرية أوروبا لم تعُد أمراً مفروغاً منه في عصر تتجاهل فيه القوى الكبرى القواعد الدولية، داعياً أوروبا لتعزيز قدراتها الدفاعية، وانتقد علناً إدارة ترامب بسبب سياساتها الخاصة بالتعريفات الجمركية وتغير المناخ وغيرها.
 ويُلاحظ أن هذا الانتقاد بالذات قد قوبل بتصفيق حاد، وفي اليوم التالي كان أكثر صراحة، فأشار إلى اتساع الهوة بين الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، معرباً عن أسفه لنهاية نظام عالمي قائم على الحقوق والقواعد، وأضاف أن التشكيك قد حدث في أحقية واشنطن بالقيادة، وربما تكون قد فقدتها، وردّ على خطاب نائب الرئيس الأميركي في المؤتمر في دورته السابقة، والذي كان قد انتقد فيه السياسات الأوروبية بشدة، وهو نفس ما فعله الرئيس الفرنسي، وأكد ميرتز الالتزام باتفاقيات المناخ ومنظمة الصحة العالمية لأن التحديات العالمية لا يمكن حلّها إلا بالعمل الجماعي، وكلها التزامات أسقطها ترامب، ومن المهم أن «ميرتز» قد دعا إلى إصلاح العلاقات عبر جانبي الأطلسي، غير أنه أرسل رسالة قوية للإدارة الأميركية مفادها أن هذا الإصلاح ليس مطلوباً من أجل أوروبا وحدها، وإنما من أجل الولايات المتحدة أيضاً، وهو ما يتضح من قوله «في عصر التنافس بين القوى العظمى حتى الولايات المتحدة لن تكون قادرة على العمل بمفردها»، مضيفاً: «إن الانضمام لحلف الناتو ليس ميزة تنافسية لأوربا فحسب، بل هو أيضاً ميزة تنافسية للولايات المتحدة».
 وإذا كان خطاب المستشار الألماني في المؤتمر يُعدّ الأقوى، فإنه يمكن القول بأنه يعبّر في الوقت نفسه عن مواقف باقي شركائه الأوروبيين وقيادات الاتحاد الأوروبي.
ولعل هذا الإجماع أو شبه الإجماع الأوروبي على انتقاد السياسة الأميركية يكون هو السبب في النبرة التصالحية، التي بدت في كلمة مارك روبيو وزير الخارجية الأميركي أمام المؤتمر، والذي أشار إلى أن بلاده لا تسعى إلى الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، بل إلى تحفيز التحالف بينهما من أجل تجديد «أعظم حضارة في تاريخ البشرية»، معتبراً أن قدرهما أن يكونا معاً، وعلى الرغم من هذه النبرة التصالحية التي طمأنت بعض الأوربيين نسبياً، فإن الاتجاه العام تمثّل في أن هذه التصريحات أمر طيب، لكنه لا يمكن أن يُثني الأوروبيين عن توجه بناء القوة الذاتية لأوروبا دعماً لأمنها، بغضّ النظر عن الحماية الأميركية، وربما تكون طمأنة الأوروبيين قد تحققت أكثر بتصريحات حاكم كاليفورنيا «الديمقراطي» المعارض الذي حضر المؤتمر وطمأن الأوروبيين بأن ترامب ظاهرة مؤقتة، لن تبقى في الساحة لأكثر من 3 سنوات. 


*أستاذ العلوم السياسية - جامعة القاهرة



إقرأ المزيد